- إنّ الغلب الذي يكون به الملك إنّما هو بالعصبيّة وبما يتبعها من شدّة البأس وتعوّد الافتراس ؛ ولا يكون ذلك غالبا إلّا مع البداوة ؛ فطور الدولة من أوّلها بداوة . ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال ، والحضارة إنّما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله ؛ فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنّق فيه تختصّ به ويتلو بعضها بعضا ؛ وتتكثّر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعّم بأحوال الترف ؛ وما تتلوّن به من العوائد ، فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة ؛ لضرورة تبعيّة الرفه للملك . وأهل الدول أبدا يقلّدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ؛ ومنهم في الغالب يأخذون . ومثل هذا وقع للعرب لمّا كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم ، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة . ( مقد 2 ، 548 ، 7 ) - اعلم أنّ الدولة في أوّل أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك ، لأنّه لا بدّ لها من العصبيّة التي بها يتمّ أمرها ويحصل استيلاؤها ، والبداوة هي شعار العصبية .
والدولة إن كان قيامها بالدين فإنّه بعيد عن منازع الملك ؛ وإن كان قيامها بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا عن منازع الملك ومذاهبه ، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن . ( مقد 2 ، 749 ، 6 )
- الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب ، والغلب إنما يكون بعد العداوة والحروب ، والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما عن الأخرى في العوائد والأحوال ، وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر ، فتكون أحوال الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة ، وخصوصا أحوال الترف ، فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها ، حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف ، فتكون عنها حضارة مستأنفة . وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها . وهو معنى اختلال العمران في المصر . ( مقد 2 ، 894 ، 1 )
غلب في العصبية
- اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم ، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين . فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام . والنّعرة تقع عن أهل نسبهم لمخصوص وعن أهل النسب العام ؛ إلا