تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
أيضا عن منازع الملك ومذاهبه ، فإذا كانت الدولة في أوّل أمرها بدويّة كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الإذن . فإذا رسخ عزّه وصار إلى الانفراد بالمجد ، واحتاج إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شؤونه ، لما يكثر حينئذ من بحاشيته ، فيطلب الانفراد عن العامّة ما استطاع ، ويتّخذ الإذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته ، ويتّخذ حاجبا عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة . ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت خلق صاحب الدولة إلى خلق الملك ، وهي خلق غريبة مخصوصة ، يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها ، وربما جهل تلك الخلق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم ، فسخطوه وصاروا إلى حالة الانتقام منه . فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم ، وحجبوا غير أولئك الخاصّة عن لقائهم في كل وقت ، حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم ، وعلى الناس من التعرّض لعقابهم . فصار لهم حجاب آخر أخصّ من الحجاب الأول ، يفضي إليهم منه خواصّهم من الأولياء ويحجب دونه من سواهم من العامّة ، والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الأولياء ، ويحجب دونه من سواهم من العامة . والحجاب الأول يكون في أوّل الدولة كما ذكرنا ، كما حدث لأيّام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية ، وكان القائم على ذلك الحجاب يسمّى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح . ثم لما جاءت دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف ، وكملت خلق الملك على ما يجب فيها ، فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني ، وصار اسم الحاجب أخصّ به ، وصار بباب الخلفاء داران للعباسية : دار الخاصة ؛ ودار العامة ، كما هو مسطور في أخبارهم . ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخصّ من الأولين ، وهو عند محاولة الحجر على صاحب الدولة وذلك أنّ أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الأبناء من الأعقاب ، وحاولوا الاستبداد عليهم ، فأوّل ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه بطانة أبيه وخواص أوليائه ، يوهمه أنّ في مباشرتهم إيّاه خرق حجاب الهيبة ، وفساد قانون الأدب ، ليقطع بذلك لقاء الغير ، ويعوده ملابسة أخلاقه هو ، حتى لا يتبدّل به سواه ، إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه ، فيكون هذا الحجاب من دواعيه . وهذا الحجاب لا يقع في الغالب إلّا أواخر الدولة . . . ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوّتها . وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم ؛ لأنّ القائمين بالدولة يحاولون ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم ، لما ركّب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه . ( مقد 2 ، 749 ، 1 )