ج
جاه
- إنّ الجاه مفيد للمال ، وذلك أنّا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه .
والسبب في ذلك أنّ صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرّب بها إليه في سبيل التزلّف والحاجة إلى جاهه . فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروريّ أو حاجيّ أو كماليّ ، فتحصل قيم تلك الأعمال كلّها من كسبه . وجميع ما شأنه أن تبذل فيه الأعواض من العمل ، يستعمل فيها الناس من غير عوض ، فتتوفّر قيم تلك الأعمال عليه . فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها فتتوفّر عليه . والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت ، ويزداد مع الأيّام يسارا وثروة . ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدّمناه . وفاقد الجاه بالكليّة ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه ؛ وهؤلاء هم أكثر التجّار ؛ ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير . ومما يشهد لذلك أنّا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا ، وحسن الظنّ بهم ، واعتقد الجمهور معاملة اللّه في إرفادهم ، فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم ، أسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى ، إلّا ما يحصل لهم من قيم الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم .
رأينا من ذلك أعدادا في الأمصار والمدن وفي البدو ، يسعى لهم الناس في الفلح والتّجر وكلّ قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه ، فينمو ماله ويعظم كسبه ، ويتأثّل الغنى من غير سعي . ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره . ( مقد 2 ، 919 ، 9 )
- إنّ الكسب الذي يستفيده البشر إنّما هو قيم أعمالهم . ولو قدّر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكليّة . وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته وعلى نسبة ذلك نموّ كسبه أو نقصانه . وقد بيّنا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرّب الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضارّ وجلب المنافع ، وكان ما يتقرّبون به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض في صالح أو طالح . وتصير تلك الأعمال في كسبه ، وقيمها أموال وثروة له . فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت . ثم إنّ الجاه متوزّع في الناس ومترتّب فيهم طبقة بعد طبقة : ينتهي في العلوّ إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية ؛ وفي السفل إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعا بين أبناء جنسه ؛