وبين ذلك طبقات متعدّدة : حكمة اللّه في خلقه ، بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتمّ بقاؤهم . لأنّ النوع الإنسانيّ لا يتمّ وجوده وبقاؤه إلّا بتعاون أبنائه على مصالحهم ؛ لأنّه قد تقرّر أن الواحد منهم لا يتمّ وجوده إلّا بالتعاون ؛ وإنه إن ندر فقد ذلك في صورة مفروضة لا يصحّ بقاؤه . ثمّ إنّ هذا التعاون لا يحصل إلّا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ، ولما جعل لهم من الاختيار ، وأنّ أفعالهم إنّما تصدر بالفكر والرويّة لا بالطبع ، وقد يمتنع من المعاونة فيتعيّن حمله عليها . فلا بدّ من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم ، لتتمّ الحكمة الإلهيّة في بقاء هذا النوع . وهذا معنى قوله تعالى
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( الزخرف : 32 ) . فقد تبيّن أنّ الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرّف فيمن تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلّط بالقهر والغلبة ، ليحملهم على دفع مضارّهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة ، وعلى أغراضه فيما سوى ذلك .
ولكنّ الأوّل مقصود في العناية الربّانية بالذات ، والثاني داخل فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الإلهي ؛ لأنّه قد لا يتمّ وجود الخير الكثير إلّا بوجود شرّ يسير من أجل المواد ، فلا يفوت الخير بذلك ، بل يقع على ما ينطوي عليه من الشرّ اليسير ، وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة ، فتفهم . ( مقد 2 ، 921 ، 6 )
- إنّ كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق ، وكل واحد من الطبقة السفلى يستمدّ بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوق ؛ ويزداد كسبه تصرّفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه . والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ، ويتّسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه . فإن كان الجاه متّسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك ، وإن كان ضيّقا قليلا فمثله . وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآئبا في تنميته كأكثر التجّار وأهل الفلاحة في الغالب ، وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم ، فإنّهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ، ولا تسرع إليهم ثروة ، وإنّما يرمّقون العيش ترميقا ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة . وإذا تقرّر ذلك وأنّ الجاه متفرّع وأنّ السعادة والخير مقترنان بحصوله ، علمت أنّ بذله وإفادته من أعظم النعم وأجلها ، وأنّ باذله من أجلّ المنعمين . وإنّما يبذله لمن تحت يديه فيكون بذله بيد عالية وعزّة ، فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملّق كما يسأل أهل العز والملوك ، وإلا فيتعذّر حصوله .
فلذلك قلنا إنّ الخضوع والتملّق من أسباب حصول هذا الجاه المحصّل للسعادة والكسب ، وإنّ أكثر أهل الثروة والسعادة