تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 828

مساهمون:

ص٨٢٨
كبيرا وقد أبطلناه . الثاني قال ابن مسعود : افتحوا سورة النّساء ، فكلّ شيء نهى اللّه عنه حتى ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة . ثم قال مصداق ذلك إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ، الآية . هو ضعيف أيضا لأنّه ذكر كثيرا من الكبائر في سائر السّور ، فلا معنى لتخصيصها بهذه السورة . الثالث قال قوم كلّ عمد فهو كبيرة وهو ضعيف أيضا لأنّه إن أراد بالعمد أنّه ليس بساه عن فعله فما ذا حال الذي نهى اللّه عنه فيجب ، على هذا أن يكون كلّ ذنب كبيرا وقد أبطلناه . وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنّها معصية فمعلوم أنّ اليهود والنصارى يكفرون بنبوّة محمد عليه السلام وهم لا يعلمون أنّه معصية ومع ذلك كفر . وأمّا القول الثاني فالقائلون به هم الذين يقولون : إنّ لكلّ طاعة قدرا من الثواب ولكلّ معصية قدرا من العقاب ، فإذا أتى الإنسان بطاعة واستحقّ بها ثوابا ثم أتى بمعصية واستحقّ بها عقابا فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية على ثلاثة أوجه . أحدها أن يتعادلا ، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلّا أنّه دلّ الدليل السمعي على أنّه لا يوجد لأنّه قال تعالى :
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
« 1 » ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير . وثانيها أن يكون ثواب طاعة أزيد من عقاب معصية وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب ويفضل من الثواب شيء ، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة وهذا الانحباط هو المسمّى بالتكفير . وثالثها أن يكون عقاب معصية أزيد من ثواب طاعة ، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب ويفضل من العقاب شيء ، وهذا الانحباط هو المسمّى بالانحباط ومثل هذه المعصية هي الكبيرة ، وهذا قول جمهور المعتزلة . وهذا مبني على أنّ الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا ، وعلى القول بالإحباط وكلاهما باطلان عندنا معاشر أهل السّنة . ثم اعلم أنّه اختلف الناس في أنّ اللّه تعالى هل ميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا ؟ والأكثرون قالوا إنّه تعالى لم يميّز ذلك لأنّه تعالى لمّا بيّن أنّ الاجتناب عن الكبائر يوجب التكفير عن الصغائر ، فإذا عرف العبد أنّ الكبائر ليست إلّا هذه الأصناف « 2 » المخصوصة عرف أنّه متى احترز عنها صارت صغائره مكفّرة ، فكان ذلك إغراء له بالإقدام على تلك الصغائر ، فلم يعرف اللّه في شيء من الذنوب أنّه صغيرة فلا ذنب يقدم عليه إلّا ويجوز كونه كبيرة ، فيكون ذلك زاجرا له عن الإقدام . قالوا ونظيره في الشريعة إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان وساعة الإجابة في ساعات الجمعة ووقت الموت في جملة الأوقات . والحاصل أنّ هذه القاعدة تقتضي أن لا يبيّن اللّه تعالى في شيء من الذنوب أنّه صغيرة وأن لا يبيّن أنّ الكبائر ليست إلّا كذا وكذا ، لأنّه لو بيّن ذلك لصارت الصغيرة معلومة ، لكن يجوز في بعض الذنوب أن يبيّن أنّه كبيرة . روي أنه عليه السلام قال : ( ما تعدون الكبائر . فقالوا اللّه ورسوله أعلم . فقال : الإشراك باللّه وقتل النفس المحرّمة وعقوق الوالدين والفرار من الزّحف والسّحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربو وقذف الغافلات المحصنات ) « 3 » . وعن عبد اللّه بن عمر
هامش
( 1 ) الشورى / 7 . ( 2 ) الأوصاف ( م ، ع ) . ( 3 ) روى مسلم نحوه دون قوله : « ما تعدون الكبائر » . في الصحيح ، كتاب الإيمان ، باب الكبائر ، حديث 145 - ( 89 ) ج 1 ، ص 92 .