تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
قسمان : الأول : وهم مشايخ الصوفية الذين حصّلوا مرتبة الوصول بسبب كمال متابعتهم واقتدائهم بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ثم بعد ذلك أذن لهم بدعوة الناس إلى سلوك طريق اقتفاء النبي صلى اللّه عليه وسلم . وهؤلاء هم الكاملون والمكمّلون الذين وصلوا بالعناية الإلهية إلى ميدان البقاء بعد ما فنوا عن ذواتهم واستغرقوا في عين الجمع . وأمّا القسم الثاني من الفئة الأولى فهم الذين بعد وصولهم إلى درجة الكمال لم يؤذن لهم بإرشاد عامّة النّاس ، وصاروا غرقى في بحر الجمع ، وفنوا في بطن حوت الفناء ولم يصلوا إلى ساحل البقاء . وأمّا السالكون فهم أيضا قسمان : 1 - الطالبون لوجه اللّه . 2 - والطالبون للجنّة والآخرة . فأمّا الطالبون لوجه الحقّ فهم طائفتان : المتصوّفة الحقيقيون والملامتيّة . والمتصوفة الحقيقيون هم جماعة تنزّهوا عن نقص الصفات البشرية . واتصفوا ببعض أحوال الصوفية ، واقتربوا من نهايات مقاماتهم ، إلّا أنّهم ما زالوا متشبّثين ببعض أهواء النفوس ، ولهذا لم يدركوا تماما نهاية الطريق كأهل القرب من الصوفية . وأمّا الملامتية فهم قوم يسعون بكلّ جدّ في رعاية معنى الإخلاص ودون ضرورة كتم طاعاتهم وعباداتهم عن عامة النّاس . كما يكتم العاصي معصيته ، فهم خوفا من شبهة الرّياء يتحرّزون عن إظهار عباداتهم وطاعاتهم . ولا يتركون شيئا من أعمال البرّ والصّلاح ، ومذهبهم المبالغة في تحقيق معنى الإخلاص . وقال بعضهم : الملامتيّة لا يظهرون فضائلهم ولا يسترون سيئاتهم ، وهذه الطائفة نادرة الوجود . ومع ذلك لم يزل حجاب الوجود البشري عن قلوبهم تماما ، ولهذا فهم محجوبون عن مشاهدة جمال التوحيد . لأنّهم حين يخفون أعمالهم فهم ما زالوا ينظرون إلى قلوبهم . بينما درجة الكمال أن لا يروا أنفسهم ولا يبالوا بها وأن يستغرقوا في الوحدة . قال الشاعر : ما هو الغير ؟ وأين الغير ؟ واين صورة الغير ؟ فلا واللّه ما ثمّة في الوجود سوى اللّه . والفرق بين الملامتيّة والصوفية هو أنّ الصوفية جذبتهم العناية الإلهية عن وجودهم فألقوا حجاب الخلقة البشرية والأنانية عن بصيرة شهودهم فوصلوا إلى درجة غابوا منها عن أنفسهم وعن الخلق . فإذن الملامتية مخلصون بكسر اللام ، والصوفية مخلصون بفتح اللام . أي أنّ الملامتيّة يخلّصون أعمالهم من شائبة الرّياء بينما الصوفية يستخلصهم اللّه تعالى . وأمّا طلّاب الآخرة فهم أربعة طوائف : الزّهاد والفقراء والخدام والعبّاد . أمّا الزهاد : فهم الذين يشاهدون بنور الإيمان حقيقة الآخرة وجمال العقبى ، ويعدّون الدنيا قبيحة ويعرضون عن مقتضيات النفس بالكلية ، ويقصدون الجمال الأخروي . والفرق بينهم وبين الصوفية هو أنّ الزاهد بسبب ميله لحظّ نفسه فهو محجوب عن الحق ، وذلك لأنّ الجنة دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . بينما الصوفية لا يتعلّق نظرهم بشيء سوى اللّه . وأمّا الفقراء منهم طائفة لا يميلون إلى تملّك أيّ شيء من حطام الدنيا . وذلك بسبب رغبتهم فيما عند اللّه . وعلّة ذلك واحد من ثلاثة أشياء : الأمل بفضل اللّه ، أو تخفيفا للحساب أو خوفا من العقاب ، لأنّ حلالها حساب وحرامها عقاب ، والأمل بفضل اللّه ثواب ويدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام . ورغبة في جمع همتهم في طلب العبادة مع حضور القلب فيها .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 458 | محمد علي التهانوي