الشيخ محي الدين العربي في الفتوحات بسنده إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول : إياكم والقول في دين اللّه بالرأي ، وعليكم باتباع السنّة ، فمن خرج منها ضلّ ؛ فإن قيل إن المجتهدين قد صرّحوا بأحكام في أشياء لم يصرّح في الشريعة بتحريمها ولا بإيجابها فحرّموها وأوجبوها ، فالجواب : أنهم لولا علموا من قرائن الأدلّة بتحريمها أو بإيجابها ما قالوا به ، والقرائن أصدق الأدلة ، وقد يعلمون ذلك بالكشف أيضا فتشاهد به القرآن ، وكان الإمام أبو حنيفة يقول : القدرية مجوس هذه الأمة والشيعة الدّجال ، وكان يقول : حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي ، وكان إذا أفتى يقول : هذا رأي أبي حنيفة ، وهو أحسن ما قدّرنا عليه ، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب ، وكان يقول : إياكم وآراء الرجال ، إلى قوله « 1 » فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول في دين اللّه بالرأي الذي لا يشهد له كتاب ولا سنّة . وكان يقول : عليكم بآثار السلف ، وإياكم ورأي الرجال ، وكان يقول : لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا ، وكان يقول : لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أنّ شريعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تقبله ، وكان يجمع العلماء في كل مسألة لم يجدها صريحة في الكتاب والسنّة ويعمل بما يتفقون عليه فيها ، وكذلك كان يفعل إذا استنبط حكما فلا يكتبه حتى يجمع عليه علماء عصره فإن رضوه قال لأبي يوسف : اكتبه ، فمن كان على هذا القدم من اتّباع السنّة كيف يجوز نسبته إلى الرأي ، معاذ اللّه أن يقع في مثل ذلك عاقل ، فضلا عن فاضل ، انتهى من الميزان . ولذا قيل : الحقّ أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلا للنزاع .
أما من جهة التسمية فلأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ، وقد قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
« 2 » ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » « 3 » وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » « 4 » رواه مسلم « 5 » . ونقل عن الأئمة إطلاق
هامش
- 898 ه / 1493 م . وتوفي بالقاهرة عام 973 ه / 1565 م . من علماء الصوفية . له تصانيف هامة ، الأعلام 4 / 180 ، خطط مبارك 14 / 109 ، آداب اللغة 3 / 335 ، شذرات الذهب 8 / 372 ، معجم المطبوعات 1129 .
( 1 ) إلى قوله ( - م ، ع ) .
( 2 ) الزمر / 18 .
( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ، 1 / 379 ، عن عبد اللّه بن مسعود بلفظ : « إن اللّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فأبعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه ، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن . وما رأوه سيئا فهو عند اللّه سيئ » . وعند أبي داود الطيالسي بلفظ : « فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند اللّه حسن ، وما رآه قبيحا فهو عند اللّه قبيح » . المسند 33 .
( 4 ) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم في الصحيح ، 4 / 2059 ، عن جرير بن عبد اللّه ، كتاب العلم ( 47 ) ، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة ( 6 ) ، حديث رقم 15 / 1017 ، وتمامه « من سن في الإسلام سنة حسنة ، فعمل بها بعده ، كتب له مثل آخر من عمل بها ، ولا ينقص من أجورهم شيء . ومن سن سنة سيئة ، فعمل بها بعده ، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء » .
( 5 ) مسلم : هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ، أبو الحسين . ولد بنيسابور عام 204 ه / 820 م . وتوفي بضواحي نيسابور عام 261 ه / 875 م . حافظ من أئمة الحديث وعلمائه . له العديد من المصنفات خاصة الصحيح في الحديث . الأعلام 7 / 221 ، تذكرة الحفاظ 2 / 150 ، تهذيب التهذيب 10 / 126 ، وفيات الأعيان 2 / 91 ، تاريخ بغداد 13 / 100 ، طبقات الحنابلة 1 / 337 ، البداية والنهاية 11 / 33 .