حرب « 1 » وطائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها للمراد « 2 » إذا كانت قصدا إلى الفعل ، وهو أي القصد ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد ، لا عزما عليه ، ليقدم العزم على الفعل ، فلا يتصوّر إيجابه إياه ؛ فهؤلاء أثبتوا إرادة متقدّمة على الفعل بأزمنة هي العزم ولم يجوّزوا كونها موجبة ، وإرادة مقارنة له هي القصد وجوّزوا إيجابها إياه . وأمّا الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة ، بل أمرا مغايرا لها .
اعلم أنّ العلماء اختلفوا في إرادته تعالى ، فقال الحكماء : إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد ، وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل ، وبكيفية صدوره عنه تعالى حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النّظام ، من غير قصد وشوق ، ويسمون هذا العلم عناية . قال ابن سينا : العناية هي إحاطة علم الأول تعالى بالكلّ وبما يجب أن يكون عليه الكلّ حتى يكون على أحسن النظام ، فعلم الأول بكيفية الصواب في ترتيب وجود الكلّ منبع لفيضان الخير والجود في الكلّ من غير انبعاث قصد وطلب من الأول الحقّ . وقال أبو الحسين « 3 » وجماعة من رؤساء المعتزلة كالنّظام والجاحظ « 4 » والعلّاف وأبي القاسم البلخي « 5 » وو محمود الخوارزمي « 6 » : إرادته تعالى علمه بنفع في الفعل ، وذلك كما يجده كلّ عاقل من نفسه إن ظنّه ، أو اعتقاده لنفع في الفعل ، يوجب الفعل ؛ ويسميه أبو الحسين بالداعية ، ولما استحال الظنّ والاعتقاد في حقّه تعالى انحصرت داعيته في العلم بالنفع . ونقل عن أبي الحسين وحده أنّه قال : الإرادة في الشاهد زائدة على الدّاعي ، وهو الميل التّابع للاعتقاد أو الظنّ .
وقال الحسين النّجّار « 7 » : كونه تعالى مريدا أمر عدميّ ، وهو عدم كونه مكرها ومغلوبا ، ويقرب منه ما قيل : هي كون القادر غير مكره ولا ساه .
وقال الكعبي : هي في فعله العلم بما فيه من المصلحة ، وفي فعل غيره الأمر به .
وقال أصحابنا الأشاعرة ووافقهم جمهور معتزلة البصرة : إنها صفة مغايرة للعلم والقدرة ، توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع بأحد
هامش
( 1 ) جعفر بن حرب : هو جعفر بن حرب الهمداني . ولد ببغداد عام 177 ه / 793 م . وتوفي فيها عام 236 ه / 850 م . من أئمة المعتزلة . متكلم . الاعلام 2 / 123 ، تاريخ بغداد 7 / 162 ، مروج الذهب 2 / 298 .
( 2 ) للمقصود ( م ، ع ) .
( 3 ) أبو الحسين البصري : هو محمد بن علي الطيب ، أبو الحسين البصري . ولد في البصرة وتوفي في بغداد عام 436 ه / 1044 م . أحد أئمة المعتزلة . له تصانيف هامة ، وكان مشهورا بالذكاء والديانة . الاعلام 6 / 275 ، وفيات الأعيان 1 / 482 ، تاريخ بغداد 3 / 100 ، لسان الميزان 5 / 298 .
( 4 ) الجاحظ : هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي ، أبو عثمان الملقب بالجاحظ . ولد في البصرة عام 163 ه / 780 م .
وتوفي فيها عام 255 ه / 869 م . من كبار أئمة الأدب والبيان . عالم كلامي على مذهب الاعتزال ، وزعيم الفرقة الجاحظية . أصيب بالفالج آخر حياته ومات تحت كتبه . له مؤلفات عديدة وهامة . الاعلام 5 / 74 ، إرشاد الأديب 6 / 56 ، وفيات الأعيان 1 / 388 ، أمراء البيان 311 ، آداب اللغة 2 / 167 ، لسان الميزان 4 / 355 ، تاريخ بغداد 12 / 212 ، آمالي المرتضى 1 / 138 ، نزهة الألباء 254 .
( 5 ) أبو القاسم البلخي : هو عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني . وقد سبقت ترجمته تحت اسم الكعبي .
( 6 ) الخوارزمي : هو محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان ، أبو محمد ، مظهر الدين العباسي الخوارزمي . ولد بخوارزم عام 492 ه / 1099 م . وفيها توفي عام 568 ه / 1173 م . فقيه شافعي ، مؤرخ ، عارف بالحديث . له عدة مؤلفات . الاعلام 7 / 181 ، طبقات الأسنوي 2 / 352 .
( 7 ) الحسين النجار : هو الحسين بن محمد بن عبد اللّه النجار الرازي ، أبو عبد اللّه . توفي حوالي العام 220 ه / 835 م . من أئمة المعتزلة . رأس الفرقة النجارية . له مناظرات مع العلماء ، وعدة كتب كلامية . الاعلام 2 / 253 ، اللباب 3 / 215 ، الامتاع والمؤانسة 1 / 58 ، خطط المقريزي 2 / 350 .