تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
الأوقات ، كذا في شرح المواقف . ويقرب منه ما قال الصوفية على ما وقع في الإنسان الكامل من أنّ الإرادة صفة تجلّي علم الحقّ على حسب المقتضى الذاتي ، وذلك المقتضى هو الإرادة ، وهي تخصيص الحقّ تعالى لمعلوماته بالوجود على حسب ما اقتضاه العلم ، فهذا الوصف فيه يسمّى إرادة . والإرادة المخلوقة فينا هي عين إرادته تعالى ، لكن بما « 1 » نسبت إلينا ، كان الحدوث اللازم لنا لازما لوصفنا ، فقلنا بأنّ إرادتنا مخلوقة ، وإلّا فهي بنسبتها إلى اللّه تعالى عين إرادته تعالى ، وما منعها من إبراز الأشياء على حسب مطلوباتها إلّا نسبتها إلينا ، وهذه النسبة هي المخلوقية « 2 » ، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا ونسبت إلى الحقّ على ما هي عليه انفعلت بها الأشياء ، فافهم . كما أنّ وجودنا بنسبته إلينا مخلوق وبنسبته إليه تعالى قديم ، وهذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف والذوق ، إذ « 3 » العلم قائم مقام العين ، فما ثم إلّا هذا فافهم . واعلم أنّ الإرادة الإلهية المخصّصة للمخلوقات على كل حال وهيئة صادرة عن غير علّة ولا سبب ، بل بمحض اختيار إلهي ، لأن الإرادة حكم من أحكام العظمة ووصف من أوصاف الألوهية ، فألوهيته وعظمته لنفسه لا لعلّة ، وهذا بخلاف رأي الإمام محي الدين « 4 » في الفتوحات « 5 » ، فإنه قال : لا يجوز أن يسمّى اللّه تعالى مختارا فإنه لا يفعل شيئا بالاختيار ، بل يفعله على حسب ما يقتضيه العالم من نفسه ، وما اقتضاه العالم من نفسه إلّا هذا الوجه الذي هو عليه ، فلا يكون مختارا ، انتهى . واعلم أيضا أنّ الإرادة أي الإرادة الحادثة لها تسعة مظاهر في المخلوقات ، المظهر الأول هو الميل ، وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه ، فإذا قوي ودام سمّي ولعا وهو المظهر الثاني . ثم إذا اشتدّ وزاد سمّي صبابة ، وهو إذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنّه انصبّ الماء إذا أفرغ لا يجد بدّا من الانصباب ، وهذا مظهر ثالث . ثم إذا تفرّغ له بالكليّة وتمكّن ذلك منه سمّي شغفا ، وهو المظهر الرابع . ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذه من الأشياء سمّي هوى ، وهو المظهر الخامس . ثم إذا استولى « 6 » حكمه على الجسد سمّي غراما ، وهو المظهر السادس . ثم إذا نمى وزالت العلل الموجبة للميل سمّي حبّا ، وهو المظهر السابع . ثمّ إذا هاج حتى يفنى المحبّ عن نفسه سمّي ودّا ، وهو المظهر الثامن . ثم إذا طفح حتى أفنى المحبّ والمحبوب سمّي عشقا ، وهو المظهر التاسع . انتهى كلام الإنسان الكامل .
هامش
( 1 ) لما ( م ) . ( 2 ) المخلوقة ( م ) . ( 3 ) أو العلم ( م ) . ( 4 ) الإمام محي الدين : هو محمد بن علي بن محمد ابن عربي ، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي ، المعروف بمحي الدين بن عربي . ولد في مرسية بالأندلس عام 560 ه / 1165 م . وتوفي في دمشق عام 638 ه / 1240 م . لقب بالشيخ الأكبر . فيلسوف صوفي ، من علماء الكلام والأصول والتصوف . قام برحلات عديدة وتنقل ، وقابل العلماء ، وله أكثر من أربعمائة مؤلف ورسالة . الاعلام 6 / 281 ، فوات الوفيات 2 / 241 ، جذوة الاقتباس 175 ، مفتاح السعادة 1 / 178 ، ميزان الاعتدال 3 / 108 ، لسان الميزان 5 / 311 ، جامع كرامات الأولياء 1 / 118 ، نفح الطيب 1 / 404 ، شذرات الذهب 5 / 190 ، آداب اللغة 3 / 100 ، دائرة المعارف الإسلامية 1 / 231 . ( 5 ) الفتوحات المكية في معرفة الاسرار المالكية والملكية لأبي بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي المعروف بابن عربي ( - 638 ه ) . آخر كتبه وأهمها . فرغ من تأليفه سنة 629 ه . بولاق 1293 ه . معجم المطبوعات العربية 178 - 179 . ( 6 ) أستوفي ( م ) .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 136 | محمد علي التهانوي