الفعل بحيث يحملها عليه . والنزوع الاشتياق ، والميل المحبة والقصد ، فعطف الميل على النزوع للتفسير . قيل وفائدته الإشارة إلى أنها ميل غير اختياري ، ولا يشترط في الميل أن يكون عقيب اعتقاد النفع كما ذهب إليه المعتزلة ، بل مجرد أن يكون حاملا على الفعل بحيث يستلزمه ، لأنه مخصّص للوقوع في وقت ولا يحتاج إلى مخصّص آخر . وقوله بحيث متعلق بالميل ، و [ معنى ] « 1 » حمل الميل للنفس على الفعل جعلها متوجهة لإيقاعه . وتقال أيضا للقوة التي هي مبدأ النزوع ، وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور .
والإرادة بالمعنى الأول أي بمعنى الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده تكون مع الفعل وتجامعه وأن تقدم عليه بالذات ، وبالمعنى الثاني أي بمعنى القوة تكون قبل الفعل ، وكلا المعنيين لا يتصوّر في إرادته تعالى . وقد يراد بالإرادة مجرد القصد عرفا ، ومن هذا القبيل إرادة المعنى من اللفظ . وقال الإمام : لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية ، فإنّ الإنسان يدرك بالبداهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذّته .
وقال المتكلّمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع ، واحترز بالقيد الأخير عن القدرة ، كذا ذكر الخفاجي « 2 » في حاشية البيضاوي « 3 » في تفسير قوله تعالى :
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
« 4 » في أوائل سورة البقرة . وقال في شرح المواقف : الإرادة من الكيفيات النفسانية ، فعند كثير من المعتزلة هي اعتقاد النفع أو ظنه . قالوا إن نسبة القدرة إلى طرفي الفعل على السوية ، فإذا حصل اعتقاد النفع أو ظنه في أحد طرفيه ترجّح على الآخر عند القادر وأثّرت فيه قدرته .
وعند بعضهم الاعتقاد أو الظنّ هو المسمّى بالداعية . وأما الإرادة فهي ميل يتبع ذلك الاعتقاد أو الظنّ ، كما أن الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضرر أو ظنه ، فإنّا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أنّ الفعل الفلاني فيه جلب أو دفع ضرر ميلا إليه مترتبا على ذلك الاعتقاد ، وهذا الميل مغاير للعلم بالنفع أو دفع الضرر ضرورة .
وأيضا فإن القادر كثيرا ما يعتقد النفع في فعل أو يظنه ، ومع ذلك لا يريده ما لم يحصل له هذا الميل .
وأجيب عن ذلك بأنّا لا ندّعي أنّ الإرادة اعتقاد النفع أو ظنه مطلقا ، بل هي اعتقاد نفع له أو لغيره ممن يؤثر خيره بحيث يمكن وصوله إلى أحدهما بلا ممانعة مانع من تعب أو معارضة . والميل المذكور إنما يحصل لمن لا يقدر على الفعل قدرة تامة ، بخلاف القادر التام القدرة ، إذ يكفيه العلم والاعتقاد على قياس الشوق إلى المحبوب ، فإنه حاصل لمن ليس واصلا إليه دون الواصل إذ لا شوق له .
وعند الأشاعرة هي صفة مخصّصة لأحد
هامش
( 1 ) [ ومعنى ] ( + م ، ع ) .
( 2 ) هو أحمد بن محمد بن عمر ، شهاب الدين الخفاجي المصري . ولد بمصر عام 977 ه / 1569 م ، وتوفي فيها عام 1069 ه / 1659 م . قاضي القضاة ، أديب لغوي . له رحلات كثيرة ومصنفات عديدة . الاعلام 1 / 238 ، خلاصة الأثر 1 / 331 ، آداب اللغة 3 / 286 ، الريحانة 361 .
( 3 ) حاشية البيضاوي وتعرف بعناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي للقاضي شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري ( - 1069 ) شرح فيها أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ( - 691 ه ) ، بولاق 1283 ه . اكتفاء القنوع 114 - 115 .
( 4 ) البقرة / 26 .