تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ولا قالبا جسمانيّا عنصريّا أو فلكيّا ، ظهر أنّه من عالم آخر غير العالم الحسّيّ والعقليّ متوسّط بين العالمين ، يسمّيه القائلون به عالم المثال وعالم البرزخ ، وسيجيء شرح معنى توسّطه بينهما . ثمّ نقول : إنّ ما تضمّنه تلك الأخبار ، من أنّ الأرواح في صفة الأجساد ، وأنّهم على صور أبدانهم ، وأنّ الروح يصيّر في قالب كقالبه في الدنيا ، حيث يدلّ على أنّ القالب المثاليّ البرزخيّ مثل القالب الدنيويّ في الصفة والصورة ، لا ينافيه ما تضمّنه بعض الأخبار التي قدّمنا ذكرها آنفا ، من أنّ الميّت يجيء لزيارة أهله بصورة طائر لطيف ، ويجلس على جدار أهله وينظر إلى أحوالهم ، فإنّه يمكن أن يكون المراد به - واللّه أعلم - أنّ القالب الذي أعدّه اللّه تعالى للأرواح وصيّرها فيه في الأصل ، إنّما هو قالب كقالبه في الدنيا في الصورة والصفة ، إلّا أنّ ذلك القالب لمّا كان قالبا مثاليّا متوسّطا بين العالمين قابلا للتشكّل بالأشكال المختلفة ، ومن جملتها شكل الطائر وصورته ، فربّما يجيء بحسب مصلحة من المصالح وبحسب مرتبته ومنزلته في صورة طائر لطيف . ومنه يظهر أن لا منافاة بين ذلك الخبر ، وخبر يونس بن ظبيان « 1 » ، عن الصادق عليه السّلام المتضمّن لقوله عليه السّلام : « سبحان اللّه ، المؤمن أكرم على اللّه من ذلك أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر » ، لأنّ القائلين بجعله في حوصلة طائر أخضر ، لعلّهم قالوا بذلك زعما منهم أنّ الأصل فيما أعدّه اللّه تعالى للأرواح هو حواصل الطيور الخضر ، لا القوالب التي هي أمثال قوالبهم في الدنيا ، فردّه عليه السّلام لذلك ، ولأنّ فيه توهّم التناسخ المحال ، وهذا لا ينافي جواز تشكّلهم بعد تعلّقهم بقوالبهم المثاليّة التي هي مثل قوالبهم في الدنيا بصورة طائر أخضر مثلا . وكذلك لا ينافيه ما تضمّنه بعض الأخبار التي قدّمنا ذكرها في صدر الرسالة : أنّ الأرواح في حجرات ، فإنّه يمكن أن يكون المراد به - واللّه اعلم - أنّهم مع تعلّقهم بتلك القوالب المثاليّة يكونون في حجرات ، أي مثاليّة برزخيّة .
هامش
( 1 ) - تهذيب الأحكام 1 / 466 ( في أحكام الأموات ) .