وقد تعلّق المخالف في هذه المسألة بأن قالوا : التوبة من المعاصي تجري مجرى ندم الواحد منّا على إساءته واعتذاره إلى من أساء إليه .
ومعلوم أنّ الواحد منّا لو أساء إلى غيره بأن كلمه كلاما موحشا واستحقّ عليه الذّم ، فانّه إذا ندم على ذلك ، وودّ أنّه لم يفعله ، وعزم على أن لا يعود إلى مثله ، وبالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه ، واجتهد في التقبّل ، وغلب على الظنّ صدقه ، فانّه يقبح في العقول ذمّه .
ألا ترى أنّ من تناهى في عداوتنا ، ثمّ ندم على ذلك وعزم على ترك عداوتنا ، وانتقل إلى التناهي في مودّتنا ، فإنّه لا يحسن أن نذمّه ونلعنه الذمّ الذي كنّا نذمّه قبل اعتذاره ، ونعلم أنّ حاله مفارق لحال من أساء مثل إساءته ولم يعتذر .
والجواب عن ذلك : أنّ قبح ذم المسئ بعد اعتذاره عن الإساءة غير مسلّم ، بل هو ممنوع . ومنه « 1 » المعلوم خلافه على ما ذكرناه في المسئ إلى الرئيس أو القاضي بالإساءات التي وصفناها ، فانّه ذمّه عليها لا يسقط ولا يقبح ، وإن اعتذر من تلك كرّات ، وذكرنا الوجه في افتراق حالتيه قبل الاعتذار وبعده ، وأنّه ليس ما ظنّوه من ثبوت استحقاق الذمّ قبل الاعتذار وسقوطه وزواله بعده . وانّما هو راجع إلى خلوص استحقاقه الذمّ قبل الاعتذار ونفي خلوصه بعده ، لأنّه بعد الاعتذار يستحقّ المدح على اعتذاره من العقلاء عموما والشكر من المعتذر إليه خصوصا .
وفي وجه آخر : يفترق حالتاه ، وهو أنّه قبل الاعتذار يستحقّ ذمّا على الإساءة وذمّا آخر على إصراره عليها ، وبعد الاعتذار لا يكون مصرّا فيسقط عنه الذمّ المقابل للإصرار ، وذكرنا أيضا أنّه لو ندم على اعتذاره ، فانّه يحسن ذمّه على
هامش
( 1 ) كذا في نسخة ( م ) والصحيح : ومن .