فيجب الإنجاز تحرّزا من القبيح الذي هو خلف الوعد ؟ فمع تقرّر ما ذكرنا لا يمكنكم الامتناع من القول بوجوب سقوط العقاب عند التوبة وادّعاء أنّه تفضّل منه تعالى . بلى يمكنكم أن تقولوا : لولا وعده السابق لما كان واجبا ، فأمّا إنكار وجوبه مع سبق وعده به فممّا لا يمكن .
قلنا : الوعد بما يكون تفضّلا في نفسه لا يجعله واجبا ، ولا يصير وجها في وجوبه . وبيانه أنّه لو كان الوعد بالتفضّل وجها موجبا للتفضّل لوجب أن يكون كذلك في وعدنا من حيث إنّ وجه الوجوب إذا حصل في الفعل اقتضى وجوبه ، ولا يختلف باختلاف الفاعلين . فكان يجب في أحدنا إذا وعد غيره بأن يعطيه غدا عشرة دنانير مثلا ، أن يلزمه ويجب عليه إعطاؤه العشرة الدنانير التي وعده بها في الغد ، ومعلوم خلاف ذلك ، وأنّه لا يلزمه الوفاء بما وعده به وجوبا .
فإن قيل : إذا لم يجب إنجاز الوعد ، فأجيزوا أن يعاقب تعالى التائب من المعاصي بالشروط المعتبرة في التوبة ، إذ عقابه بعد التوبة ليس قبيحا على ما ذكرتم وإن سبق وعده بالعفو عنه .
قلنا : لا نجيز ذلك ، ونتق بأنّه تعالى لا يعاقبه ، لا من حيث إنّ عقابه قبيح ، أو إنّ إنجاز الوعد واجب ، بل من حيث إنّه لو عاقبه لكشف ذلك عن أنّ وعده السابق كان كذبا . وهو تعالى منزّه عن الكذب وعن جميع القبائح . وقد نبّهنا على هذه الجملة فيما سلف من هذا الكتاب ، حيث تكلمنا في اقتداره تعالى على القبيح .
فإن قيل : كيف قولكم في أحدنا إذا أخلف وعده ولم ينجزه ، أتقولون فيه مثل قولكم فيه تعالى ، وأنّ خلف وعده يكشف عن كذبه في وعده ، أم تفرقون بين الشاهد والغائب في ذلك ؟ .
قلنا : نفرق بينهما ، وذلك لأنّ أحدنا إذا وعد غيره بشيء لم يخل من أحد أمرين : إمّا أن يخبره عن وقوع ما وعده به جزما ، أو يخبره عن عزمه على ذلك .
المنقذ من التقليد — صفحة 92
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٩٢