مبينا ، يظهر له ، لا بدّ من أن يندم عليها ، ولا يجد من نفسه خيرة في الندامة ، حتّى إن شاء ندم وإن شاء لم يندم .
فإن قيل : أليس من أساء إلى غيره في الشاهد فإنّه يجب عليه أن يعتذر إليه ، فكذلك من عصى اللّه تعالى يجب عليه أن يعتذر إليه من معصيته بالتوبة .
قلنا : لا نسلّم أنّه يجب على المسئ الاعتذار إلى المساء إليه عقلا ، بل هو نفس المتنازع فيه . ثمّ ولو سلّمنا ذلك لم يصحّ حمل العاصي في وجوب توبته من معصيته على وجوب اعتذار المسئ من إساءته . وذلك لأنّ المسئ أضرّ بالمساء إليه وآلمه وغمّه ، فيتوقّع من جهته ضرر الانتقام بنفسه أو بالاستعانة بغير وبالدعاء عليه والحقد عليه وازدياد فوات نفعه ، لأنّه كلّما تذكّر إساءته إليه تجدّد تألّم قلبه وباطنه بذلك ، فيستحقّ في مقابلة ذلك عوضا آخر عليه . فإذا اعتذر إليه تشفّى باعتذاره المساء إليه بعض التشفي ، وحصلت له بذلك سلوة ، فيأمن بذلك من ضرر انتقامه والازدياد في فوات نفعه .
وجملة الأمر وعقد الباب أنّه إنّما يعتذر إليه دفعا للمضارّ المظنونة المتوقّعة من جهته التي أشرنا إليها . وهذه الوجوه غير قائمة في العاصي ، ومعصيته للّه تعالى لأنّه جل جلاله متعال عن جواز المنافع والمضارّ عليه ، فافترقا .
فأمّا كون التوبة لطفا ومصلحة لنا ، فلا شكّ في أنّه وجه في وجوب التوبة ، ولكن كونها لطفا ومصلحة لا يعلم عقلا ، وإنّما يعلم شرعا ، على ما ذكرناه .
فإن قيل : إذا كانت التوبة عن القبيح هي الندم عليه والعزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح ، فمعلوم بالعقل أنّ الندم على الفعل والعزم على أن لا يعود إلى مثله صارف عنه داع إلى تركه ، فكيف يقولون إنّه لا يعلم كون التوبة لطفا بالعقل ؟ .
قلنا : الذي يعلم بالعقل هو أنّ النادم على القبيح العازم على أن لا يعود إلى
المنقذ من التقليد — صفحة 90
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٩٠