وبعد فإنّ العصمة إذا كانت ضربا من ضروب اللطف ومعلوم أنّه انّما يجب عليه تعالى أن يلطف للمكلّف بأمر من الأمور إذا كان في المعلوم أنّ ذلك الأمر لطف له ، فأمّا إذا لم يكن للمكلّف لطف في المعلوم فانّه لا يجب عليه تعالى أن يلطف له ، فكيف يصح القول بأنّه لطف يجب في حكمة اللّه أن يخلق جندا معصومين ، وكان من حقّه أن يقول : يجب في حكمته تعالى أن يخلق جندا معصومين إن كان في المعلوم أن لهم لطفا يعزمون عنده على ما ذكرنا ، وإن لم يكن في المعلوم ذلك وجب أن لا يكلّف المكلّفين على قاعدتكم ليكون لما ذكرناه وألزمه وجه ، فأمّا إذا لم يقل كذلك وأرسل القول وأطلق بأنّه يجب في حكمته تعالى بأن يخلق جندا معصومين ، فذلك ممّا لا وجه له .
ولئن قال كذلك لكان الجواب عنه ما سبق من أنّ المكلّفين الذين هم جنده ورعيته إذا لم يكونوا معصومين فلم ينصروه ولم يعينوه على السياسة وإقامة الحدود ويفوتهم بسبب ذلك لطف الرئاسة ، فانّ ذلك يكون من جهتهم وبجنايتهم وانّما أتوا به من قبل نفوسهم ولا يجب بسببه سقوط التكليف عنهم ، كما لا يجب سقوط التكليف عمّن يخلّ بالعبادات الشرعية فيفوته لطفها .
فإن قيل : فما استدللتم به انّما يدلّ على عصمة الرئيس في الأفعال الظاهرة التي تصرفه يكون لطفا فيها وهي أفعال الجوارح ، فمن أين وجوب عصمته في الأعمال الباطنة التي هي من أفعال القلوب ؟ ومن أين وجوب عصمته قبل إمامته ؟ .
قلنا : الذي يدلّ على وجوب عصمته فيما لا يظهر لنا من أعمال قلبه هو ما قد علمنا أنّ اللّه تعالى تعبّدنا بأن نعظّمه تعظيما لا يوازيه تعظيم أحد سواه من رعيته ، ولا يجوز أن يتعبّدنا اللّه بتعظيمه على هذا الحدّ وهو ممّن يجوز أن يكون في باطنه سيئ السريرة خبيث العقيدة مستحقّ اللعن والبراءة منه ، ولا يعترض على هذا أنّا تعبدنا بتعظيم بعضنا لبعض ، مع تجويزنا أن يكون في باطنه فاعلا
المنقذ من التقليد — صفحة 284
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٨٤