لما يستحقّ الذم والعقوبة لأنّا انّما نعظّمه على ما يظهر لنا منه من الخبر لا مطلقا بل بشرط أن يكون قد أتى بما أتى به من الخبر لوجوبه أو لحسنه لا رياء وسمعة ، هذا هو الذي تعبّدنا به في حقّ بعضنا لبعض ، وليس كذلك تعظيمنا للإمام ، لأنّا تعبدنا بتعظيمه مطلقا من غير شرط .
وأمّا الذي يدلّ على كونه معصوما قبل إمامته فهي ما قد ثبت أنّ قوله حجّة في الشرع كقول الرسول ، فيجب أن يجنب كلّ ما يجنب الرسول عنه من المنفرات ، وذلك يقتضي عصمته في جميع الحالات كما في الرسول ، فإذا فرضنا الكلام في مجرد ما يقتضيه العقل لم نوجب فيه ذلك ، وإنّما نوجب أن يكون معصوما في تصرّفه في الرعية وإمامته ، ويمكن أن يستدلّ على عصمته في جميع أفعاله الظاهرة لنا والخافية عنّا وقبل إمامته بأن كلّ من قال بوجوب عصمته في جميع الأفعال الظاهرة التي هي من أفعال الجوارح قال بوجوب عصمته في جميع أفعاله وفي جميع أحواله ، ولم يفرّق أحد بين بعض الأفعال وبين بعض ، ولا بين بعض الأحوال وبين بعض في ذلك وإذا سلكنا هذه الطريقة لم نكن قد رجعنا في إثبات تمام عصمته وكما لها إلى الشرع ، فيؤخذ علينا ويقال : أنتم في إثبات الصفات التي يجب اتّصاف الإمام بها عقلا ، دون ما يرجع في إثباته إلى الشرع ، لأنّ الإجماع طريق كونه حجّة عندنا العقل .
ولكنّه يمكن أن يعترض هذه الطريقة بأن يقال : الاحتجاج بالإجماع وما يؤول إليه لا يصحّ في كون الإمام معصوما في باطنه وظاهره ، لأنّه لا يعلم كون الإجماع حجّة إلّا بعد أن يعلم اشتماله على قول معصوم في جميع أفعاله ، لأنّا إن جوّزنا أن يكون المعصوم الذي هو فيما بين المجمعين إنّما يكون معصوما في أفعال الجوارح دون أفعال القلوب جوّزنا عليه الكذب من حيث إنّ الكذب نفسه وإن كان من الأفعال الظاهرة لنا ، إلّا أنّ كونه كذبا لا يتمّ إلّا بالقصد إلى الإخبار ، والقصد خاف عنّا ، وهو ممّا يعد في أفعال القلوب ، فعلى هذا نجوّز
المنقذ من التقليد — صفحة 285
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٨٥