قلنا لهم في الجواب : قد بيّنا فيما سبق أنّ لطف الرئاسة ذو ثلاث شعب :
أحدها متعلّقة به تعالى ، وثانيها بالإمام ، وثالثها بالامّة ، فإذا حصل ما هو من جهته تعالى وما هو من جهة الإمام ولم يحصل ما هو من جهة الرعيّة فيقوتها لطف الرئاسة فقد اتيت من قبل نفوسهم في ذلك وكانت الجناية « 1 » من جهتهم في ذلك واللوم يرجع إليهم وهم قادرون على نصرته وطاعته ، فينبسط يده فيتصرف ويسوسهم ويحصل ما هو لطف لهم ، فإذا لم يفعلوا ذلك ويفوتهم لطف الرئاسة فذلك بجنايتهم على أنفسهم ، واللوم فيه يرجع إليهم ، ما هذا إلّا كما يفرّط المكلّفون في العبادات الشرعية التي علم تعالى أنّ صلاحهم في أدائها وكلّفهم أدائها فيفوتهم مصلحتهم المتعلّقة بها عند تفريطهم فيها في أنّ الجناية في ذلك من قبلهم واللوم إليهم يرجع ، فعلى هذا لا يلزم العصمة في الرعيّة ولا التسلسل .
فأمّا ما ذكره أبو الحسين في أثناء تقرير هذا الإلزام من قوله : فيجب في حكمة اللّه تعالى أن يخلق جندا معصومين ، فكلام غير محصّل ولا محقّق ، وذلك أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ كون الجند معصومين يتعلّق به تعالى ، وليس الأمر كذلك ، لأنّ العصمة وإن كانت لطفا من جهته تعالى فانّ ذلك اللطف انّما يكون عصمة ويوصف بالعصمة بأن يقوم المكلّف عنده على فعل جميع ما يجب عليه ، بحيث لا يخلّ بشيء منها ولا يرتكب قبيحا حتى لو فعل تعالى اللطف ولم يعزم المكلّف على ما ذكرناه لم يكن ذلك اللطف عصمة ، فعلى هذا التقرير كون المكلّف معصوما واتّصافه بذلك متعلّق به وباختياره ، لا به تبارك وتعالى ، فكيف يصحّ قوله : فيجب في حكمة اللّه تعالى أن يخلق جندا معصومين ؟
هامش
( 1 ) م : الخيانة .