فيجب على مقتضى احتجاجهم أن يجوّزوا إجماعهم على خطأ صغيرة فلا يجب اتّباعهم .
ومنها : أنّ الآية كالمجملة ، لأنّه تعالى لم يقل إنّهم جعلوا عدولا في كلّ شيء وفي جميع أقوالهم وأفعالهم ، ومن ادّعى عموم ذلك فعليه الدلالة ، وأمّا ما أكدّوا به هذا الاحتجاج فالاعتراض عليه أنّ الرسول لم يكن قوله حجّة من حيث كان شهيدا ولم تجب عصمته بسبب الشهادة ، بل إنّما وجب عصمته لكونه نبيّا ، ثمّ إذا شبّهوا الامّة بالرسول بمقتضى الآية فانّما يجب أن يجنّبوا عمّا يجنّب عنه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو الكبائر دون الصغائر ، فهلّا جاز أن يجمعوا على خطأ صغيرة فلا يجب اتّباعهم فيه .
وتمسّكوا أيضا بقوله تعالى :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ »
« 1 » .
قالوا : وصفهم اللّه تعالى بأنّهم خير أمّة أي خير الأمم وبأنّها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، وهذا غاية الثناء والإطراء عليهم . ومثل هذا الثناء لا يليق بمن يجوز عليهم الإجماع على الخطأ .
والاعتراض عليهم في هذا التمسّك من وجوه :
منها : أنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ الامّة كانوا بهذه الصفات فيما مضى ، لأنّ قوله :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ »
إخبار عن الماضي ، ولا يفهم من الظاهر أنّهم موصوفون بهذه الصفات في جميع الأحوال .
يبيّن ما ذكرناه أنّ القائل إذا قال : كنت أو كنت كذا ، فانّ المفهوم من قوله الإخبار عن الماضي ، ولا يفهم من قوله هذا جميع الأحوال بحيث يستوى فيه الحال والاستقبال ، والذاهبون إلى دليل الخطاب تضيق عليهم الحيلة في هذا
هامش
( 1 ) آل عمران : 110 .