ودفع اللصوص وقطّاع الطريق والمتغلّبين ، وتقليل الضرائب والأعشار إلى ما أشبهها ، وهذه مصالح ناجزة دنيويّة لا دينية ، ولستم ممّن يرى الأصلح في الدنيا واجبا ، ثمّ وهذه المصالح انّما تقوم وتنضبط بإقامة الحدود من قطع السرّاق ، وصلب قطّاع الطرق أما يقوم مقامه ، وجلد الزناة أو رجمهم ، وجلد المفترين ، ومعلوم أنّ هذه حدود وعقوبات شرعيّة وانّما تتلقى من جهة الشارع ، فلو لا الشرع كيف كان يهتدي الرئيس إليها حتى يقيمها ، ويكثر بإقامتها أو بالخوف منها الصلاح ، ويقلّ الفساد . فعلى هذا انما تجب الرئاسة بعد ورود الشرع بهذه الحدود ، وليس هذا مذهبكم ، فانّ من مذهبكم أنّها واجبة عقلا قبل ورود الشرع ، كوجوبها بعد وروده .
ثمّ إن كانت الرئاسة لطفا لكونها كذلك ، لوجب أن يكون للرئيس رئيس ، وذلك يجرّ إلى التسلسل .
يوضح ما ذكرناه أنّ الرئاسة إن كانت لطفا ، لم تخل من أن تكون لطفا لبعض المكلّفين دون بعض ، أو تكون لطفا لجميع المكلّفين على العموم .
إن قلتم بالأوّل ، قيل لكم : ما الفرق بين بعض المكلفين وبين بعضهم في ذلك ؟ بيّنوه فأنّا لا نعلم ذلك الفرق ولا نجده من أنفسنا ؟ بل المقرّر في النفوس أنّها إن كانت لطفا كانت لطفا لكلّ مكلّف على العموم ، من غير فرق بين البعض والبعض ، ثم إذا كانت لطفا لبعض المكلّفين دون بعض يلزمكم على ذلك جواز خلوّ بعض الأزمنة والأعصار من الرئيس ، لحصول مكلّفي ذلك العصر على الوصف الذي باعتباره تحصل الغنية عن الرئيس . وليس هذا مذهبكم في وجوب الرئاسة .
وإن قلتم بالثاني وهو كون الرئاسة لطفا على العموم لكلّ مكلف ، يتّضح لزوم الرئيس .
ثمّ إذا ساعدناكم على كونها لطفا على ما تذهبون إليه ، فهلا جاز أن يكون
المنقذ من التقليد — صفحة 242
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٤٢