الفرق في كفر وإسلام إلّا وقد التجئوا إلى رئيس وسائس فيما بينهم يسوسهم ، ويؤدّب جناتهم ، ويدفع شرّ الأقوياء المتغلبين عن الضعفاء ، ما هذا إلّا لعلمهم بأنّ الصلاح الكلّي منوط بوجود الرئيس ، والفساد بعدمه وعلى هذا قال القائل :
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
يهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت * فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
يزيد ما ذكرنا وضوحا ما عرفناه من أحوال الصدر الأوّل من الصحابة عند وفاة النبيّ عليه الصلاة والسلام وارتحاله من دار الفناء إلى دار البقاء ، وتبادرهم إلى السقيفة ، وتسارعهم إلى طلب السائس حتى تركوا بسببه تجهيز النبي عليه السلام ومواراته في روضته أفترى أنّهم تركوا تجهيزه صلّى اللّه عليه وآله لأمر غير واجب مهم في اعتقادهم ، فثبت بهذه الجملة واتّضح كون الرئاسة لطفا . وقد تقرّر وجوب اللطف ، فتجب الرئاسة ، وهذا هو الأصل الذي أردنا بيانه .
فإن قيل : كيف تدعون كثرة الصلاح وقلّة الفساد بثبوت الرئاسة ، وقد علمنا أنّه عندما انتصب كثير من الرؤساء انشق عصا الجماعة ، وافترقت الألفة ، ونبغت البغاة ، وظهرت الفتن ، وامتدت الأيدي إلى الظلم ، وسفك الدماء ، واغتصاب الأموال ، وهتك الحرم وكيف يدفع هذا ، ومعلوم أن أمير المؤمنين عليه أفضل التحية والسلام لما انتصب الامر ، مرقت طائفة ونكثت أخرى وقسط آخرون ، فلئن ادّعى مدع أنّ الرئاسة استفساد ، مكثرة للفساد مقرّبة منه ، مقلّلة للصلاح مبعّدة منه ، لكان قد قاومكم وعارضكم في دعواكم ثمّ إذا تجاوزنا عن ذلك ، فالصلاح الذي تعلّق بالرئاسة انّما هو انتظام أمور الناس في اختلاطهم ، وما يجرى بينهم من المعاملات ، وأداء الأمانات ، وقضاء الديون ، وإطفاء نائرة الفتن ، وتسهيل السبل إلى معايشهم بتحصيل أمن الطرق