في لغات كثيرة كلفظة شهر ولفظة دار ، فانّ لفظة شهر في لغة العرب عبارة عن الزمان المخصوص المشتمل على ثلاثين يوما بلياليها ، أو تسعة وعشرين بحسب رؤية الهلال ، وفي لغة الفرس عبارة عن البلد ، ودار في لغة العرب عبارة عن المبنى المخصوص الذي بني للمسكن وفي لغة الفرس عبارة عن الشجر ، فلو كان المراعى في إضافة الخطاب إلى اللغة مجرّد الصيغة لوجب أن يكون المستعمل لمثل هذين اللفظين متكلما باللغتين باللفظ الواحد في حالة واحدة ، وذلك فاسد .
فإن قيل : العرب لا تعرف النصوص بالقلب ، وانّما تعرف التصديق باللسان ، فإذا حملتم لفظ الإيمان على التصديق بالقلب فقد تركتم مراعاة لغة العرب .
قلنا : ليس الأمر كما ظنّه السائل ، لأنّ العرب تعرف التصديق بالقلب كما تعرف التصديق باللسان ، ولفظ التصديق عندهم موضوع بإزاء ما يكون بالقلب وبإزاء ما يكون باللسان جميعا ، وهو حقيقة فيهما ، لأنّهم يصفون الأخرس بأنّه مصدّق كذا ، وكذا الساكت ، ويقولون : فلان يصدق بكذا ويكذب بكذا ، ولا يريدون بذلك إلّا ما يرجع إلى الفاسد ، وانّما خصّصناه بما يرجع إلى القلب دون ما يرجع إلى اللسان ، لأنّه لو كان ممّا يرجع إلى اللسان من ذلك اعتبار لوجب أن لا يسمى الأخرس ولا الساكت بأنّه مؤمن ، ولوجب أن يكون من أظهر الإيمان بلسانه وفعل كلّ شيء ممّا يدلّ على كفره وجحوده بقلبه وعلمنا جهله باللّه وبتوحيده وعدله وبالنبوة أن يسمى مؤمنا ، وذلك باطل ، وكان يجب أن يكون المنافقون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله مؤمنين حقيقة ، وكلّ ذلك فاسد فلهذا العرف الشرعي المستمرّ المستقرّ فيما بين أهل الشرع الذي بيّناه يخصص اسم الإيمان بما يرجع إلى القلب من التصديق .
فإن قيل : ما تقولون فيمن يصدّق باللّه تعالى وبرسوله وأكثر القرآن وردّ آية
المنقذ من التقليد — صفحة 167
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٦٧