استضراره به بأن يشقّ عليه فعله وتشحّ نفسه به وعلمه تعالى بذلك ، وهذا هو الشحّ والبخل والمضارّ مستحيلة عليه تعالى شحا كانت أو غيره ، فصحّ انّه لا صارف له عن فعل ما ذكرناه . وإنّما قلنا : « إن من كان له داع إلى الفعل ولا يقابل داعيه ذلك الصارف فانّه يفعله لا محالة » من حيث انّه لو لم يقع منه ولم يفعله والحال ما وصفناه لقدح في اقتداره عليه وكشف عن أنّه ليس بقادر عليه ، إذ من حقّ القادر على الشيء وجوب وقوع ما دعاه الداعي إليه إذا لم يصرفه عنه صارف ، وهذا هو الطريق إلى أنّ العباد فاعلون لتصرّفاتهم ، وهذا التحرير يقتضي أنّهم يذهبون إلى وقوع المصلحة الدنياويّة منه تعالى لا محالة وأنّ وجوبها إنّما هو بهذا المعنى لا بمعنى استحقاق الذمّ بالإخلال به .
وربّما يوردون ما يقتضي أنّها واجبة ، بمعنى استحقاق الذمّ بالإخلال به .
وذلك لأنّهم يقولون : إنّ من ملك ، مثلا ، ماء دجلة ووجد عطشانا يموت من العطش وعلم أنّه إن أسقاه الماء وصبّ في فيه شربة منه ، عاش وانتفع ولا يستضرّ هو ولا غيره به أصلا والبتة ، فانّه لا بدّ من أنّ يسقيه ويصبّ في فيه الماء ، ومتى لم يفعل ذلك ، عدّه العقلاء بخيلا شحيحا واستحقّ منهم الذمّ .
ويقولون إنّه إنّما وجب على من وصفناه ذلك من حيث انّه فعل ينتفع به الغير ، ولا ضرر على فاعله وغيره فيه ، فكذلك يجب عليه تعالى مثله .
وأصحاب أبي عليّ وأبي هاشم لا يسلّمون أنّ سقي الماء لمن وصفوه واجب على ما ذكروه وأنّه يستحقّ الذمّ بالإخلال به ، بلى يقولون : يقبح منه أن يمنعه من الماء ويحول بينه وبينه ، لكون ذلك المنع والحيلولة عبثا ، ولو منعه لاستحقّ الذمّ بذلك القبيح ، لا بسبب أن أخلّ بفعل واجب عليه .
ويستدلّون على إبطال كون الأصلح الدنياويّ واجبا عليه تعالى على وجه يشمل الوجوبين جميعا وذلك الوجه هو أنّه لو وجب عليه تعالى أن يرزق الشخص الذي ذكرناه المائة ، لوجب أن يرزقه أكثر منها إلى غير نهاية ، لأنّ
المنقذ من التقليد — صفحة 299
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩٩