عليه لتجرّد الداعي إلى فعلها من دون معارضة صارف ، وإن لم يكن في الزيادة عليها مفسدة إلى غير غاية جاز أن يفعل المزيد عليه وجاز أن لا يفعلها ، لأنّ من كان له إلى الفعل داع وكان ذلك الداعي قائما في فعل ما يشقّ عليه ، فانّه يجري ذلك مجرى الصارف ، ويكون ذلك الفاعل متردّدا بين الصارف والداعي ، فتارة يفعل الفعل وتارة لا يفعل . ألا ترى أنّ من دعاه داع إلى أن يدفع درهما إلى فقير ولم يبيّن أنّه يستضرّ بذلك ، فانّه يدفعه إليه . فان حضره من الفقراء جمع عظيم لو دفع إلى كلّ واحد منهم درهما لاستنفد ماله بذلك ولم يكن لبعضهم مزيّة على بعض وشقّ ذلك عليه واستضرّ به ، فانّه قد يدفع درهما إلى فقير منهم وقد لا يدفع ، ويقول في نفسه إن دفعت إلى واحد منهم دفعت إلى غيره وإلى غيره إلى أن يستنفد جميع مالي ، فلا يدفع إلى أحد منهم شيئا . فإذا كان قيام الداعي فيما يشقّ يقتضي ما ذكرناه فقيامه فيما لا يمكن أولى أن يقتضي ما ذكرناه والداعي إلى الفعل ، إذا حصل فيما لا نهاية له فقد حصل فيما لا يمكن فعله ، فصار أولى أن لا يجب معه الفعل .
قال : فقد بان أنّ الأصلح في الدنيا ، يجب وجوده على بعض الوجوه دون بعض ، إلّا أنّ هذا بيان أنّه يجب وجوبا يتبع الداعي أن يكون وجوده أولى ، لا وجوبا يستحقّ بالإخلال به الذمّ . هذا هو القول في المصالح الدنيويّة .
فامّا المصالح الدينيّة التي هي الألطاف ، فقد اختلفوا فيها أيضا : فذهب بشر بن المعتمر من العدليّة إلى أنّها غير واجبة ، وإن حكي عنه الرجوع عن ذلك . وذهب جماهير أهل العدل إلى أنّها واجبة في حكمة اللّه تعالى . واستدلّوا على وجوبها بوجوه :
منها : أن قالوا : إنّ الامتناع من فعل اللطف يجري مجرى المنع من الملطوف فيه . ألا ترى أنّ المضيف لزيد إذا علم أنّه لا يجيبه إلّا إذا استبشر في وجهه ولم يقطب أو يبعث إليه رقعة يلاطفه فيها أو يرسل إليه ولده أو فعل شيئا لا يكون له
المنقذ من التقليد — صفحة 301
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٠١