تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
أمزجتها ، وبسبب اختلاف أمزجتها يختلف استعدادها لقبول أثر النفوس ، فكلّ جنينين انّما يستعدّ لقبول أثر نفس مخصوصة دون غيرها ، فيستعمله تلك النفس لا غير . قلنا : وقد يتفق تساوي أجنّة كثيرة في المزاج والاستعداد المشار إليهما فيلزم ما ذكرناه . وقد أوردت على بعضهم هذا الإلزام فالتجأ إلى الاختلاف في المزاج والاستعداد . فلمّا قلت له في الجواب : قد يتفق تساوى أجنّة كثيرة في المزاج والاستعداد وتكوّنها في لحظة واحدة ، إذ ليس ذلك بمحال . قال هذا تقدير محال . قلت : ولم قلت إنّ هذا محال . قال : لأنّ وجود مثلين متشابهين في سائر الوجوه بحيث لا يكون بينهما تباين وتمايز محال ، إذ ذلك رفع الاثنينية والتغاير بينهما ، وإذا ارتفع التغاير بطلت المماثلة ، لأنّها إنّما تثبت بين شيئين غيرين . قلت : فمقتضى هذا الذي ذكرته أن يثبت بينهما تباين وتمايز ، وأنا أقول به فأقول إنّهما يتباينان بالمكان ، وهذا كاف في التميّز ويشتهيان ويتفقان في المزاج والاستعداد ، فلا يكون محالا . قال : إذا أقررت بمباينتهما في المكان فكيف يلزم أن لا يكون للنفس الحادثة معهما من الاختصاص بأحدهما ما ليس لها بالآخر وأن يستعملهما . قلت : ومباينتها في المكان إنّما كانت نافعة في دفع الإلزام إذ لو كانت النفس مكانيّة فحينئذ كنت تقول بأن النفس تستعمل البدن الذي في أقرب الأماكن إلى مكانها والذي يكون في مكانه أولى من أن تستعمل غيره من الأبدان . فأمّا إذا لم تكن النفس في مكان ، لا مستقلا ولا تبعا ، فانّ مباينة الأبدان في المكان لا تنفع في دفع الإلزام .
المنقذ من التقليد — صفحة 294 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي