المجاورة مستحيلة عليها ، وإنّما يلزمهم ما ذكرناه لأنّ النفس موجبة عندهم لاستعمال البدن غير مختارة ، بخلاف القادر عندنا .
وقد زعموا أنّ لها تعلّقا ببدن دون بدن وشغفا به دون غيره ، كالأمّ ترؤف ولدها دون ولد غيرها ، قالوا : وذلك التعلّق والشغف سببهما أنّهما حدثت مع حدوث ذلك البدن وتكوّنه .
فنقول لهم : إنّ سبب رأفة الأمّ بولدها وشفقتها عليه أنّه مخلوق منها وفيها وهو بعضها ، وتره وتربيه ، وتعتقد أنّه ينفعها ، وشيء من هذا لا يثبت للنفس مع البدن ، فانّها عندكم ليست في مادّة . وفي الجملة شفقة الأم على الولد من فعل اللّه تعالى القادر المختار الذي يفعل ما يعلمه مصلحة للعباد ويراه إحسانا إليهم ، وهذا ممّا لا تقولونه . وإن أضفتم تعلّقها ببدن دون بدن إلى موجب آخر ، يلزمكم في ذلك الموجب ما ألزمناكم في النفس وقلنا ولم أوجب ذلك الموجب تعلّقها بذلك البدن ، دون بدن آخر ، إذ لا اختصاص لذلك الموجب بإيجاب تعلّق دون تعلّق ، ثم ولم لم يوجب ذلك التعلّق لنفس أخرى ، لأنّه لا اختصاص له بنفس دون نفس .
أمّا قولهم : « إنّها حدثت مع حدوث ذلك البدن وتكوّنه » ، فليس ذلك شيئا يوجب الاختصاص والتعلّق ، سيما إذا لم يكن بينهما مجاورة ولا إحساس أحدهما بصاحبه ألا ترى انّ شخصين من الأشخاص الإنسانيّة قد يولدان في لحظة واحدة ومع ذلك فانّ أحدهما لا يحبّ الآخر بل ربّما أبغضه ثمّ وقد يتفق تكوّن جنينين وثلاثة وأكثر في لحظة واحدة : فالنفس الحادثة في تلك اللحظة يجب على مقتضى تعليلكم هذا أنّ تستعمل جميع تلك الأبدان وأن لا يكون لها من الاختصاص ببعضها ما ليس لها بغيره منها ، وملزوم هذا أن لا تختلف أفعال تلك الأبدان وان يقع تصرّفهم بحسب قصد وداع واحد ، وخلافه معلوم .
فإن قالوا : تلك الأجنّة وإن تكوّنت في وقت واحد ، فانّها تختلف في
المنقذ من التقليد — صفحة 293
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٩٣