فعلى هذا الخاطر في مسألتنا هذه هو العلم بحقيقة الصانع والثواب والعقاب ، ولا أعني به العلم بثبوت الصانع وثبوت استحقاق الثواب والعقاب ، بل العلم بأنّ كلّ واحد من هذه الأمور ما هو فإذا علم العاقل حقائق هذه الأمور وعنده أمارات ثبوتها ، فيتنبّه لها إمّا من قبل نفسه ، وإمّا بأنّ ينبّهه اللّه تعالى عليها خاف لا محالة ، ومعنى تنبيه اللّه تعالى له إن يذكره إيّاها إذا كان ذاهلا عنها بأن يخلق فيه العلم بها .
وقد جوّز أبو هاشم وأصحابه أن تقوم الكتابة مقام الكلام الخفيّ الذي جعلوه خاطرا فيمن يحسن قراءة الكتابة وفيمن لا يحسن القراءة إذا كان عنده من يقرؤها ويبيّن له معناها إن احتاج إلى بيان في معرفة معناها وقد ردّوا على أبي عليّ بأن قالوا ، من يخطر له ما يخوّفه من ترك النظر والمعرفة يجد نفسه كالمضطرّ إلى ذلك الخاطر ولا يجد لنفسه في ذلك اختيارا . فلو كان الخاطر اعتقادا لما كان من جهته ، بل من جهة اللّه تعالى ، لأنّ غير اللّه لا يقدر على أن يفعل في الغير اعتقادا . فإذا كان من جهته تعالى : فلو لم يكن معتقده على ما تناوله كان جهلا قبيحا واللّه لا يفعل ما كان ذلك وصفه ، وإن كان معتقده على ما تناوله كان علما . ومعلوم أنّ من يخطر له ما يخوّفه من ترك النظر . والمعرفة ليس حاله حال العالمين القاطعين ، بل حال الشاكرين المجوّزين ولو كان عالما قاطعا ما كان خائفا من ترك النظر .
ولقائل أن يقول : إن كان أبو علي عنى بقوله في الخاطر : « إنّه اعتقاد » ، اعتقاد حقائق هذه الأمور والعلم بها على ما شرحناه ، لا اعتقاد ثبوتها ؛ فانّه لا يتأتى كلامكم عليه ، لا انّ العلم بذلك أو الاعتقاد له ليس علما بثبوت الصانع وتحقيق استحقاق الثواب والعقاب واعتقادا له حتّى يمكنكم أن تقولوا حاله حال المجوّز الشاك لا حال العالم القاطع ، لأنّ شكّه وتجويزه إنّما هو في تحقّق الصانع واستحقاق الثواب والعقاب وثبوت ذلك ، لا في المعرفة بحقائق هذه الأمور وقصورها . كما أنّ
المنقذ من التقليد — صفحة 284
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٨٤