تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وتحقق به أنّها هل هي محدثة مصنوعة فتفتقر إلى صانع ، أم هي قديمة موجودة بذواتها مستغنية عن موجد وصانع . ثمّ ينقله عقله من مرتبة إلى مرتبة ، كأن يقول له : وإذا عرفت أنّ لها صانعا وموجدا فهل هو فاعل مختار مؤثّر على طريق الصحّة ؟ ليكون له رضا فيطلب ، وسخط فيتجنّب ؟ أو هو موجب لا يتصوّر فيه رضا ولا سخط . ثم يقول : وهل هو عالم فيعلم ما أقدم عليه وما امتنع منه فيجازيني بحسب ما يعلمه ، منّي من الإقدام والإحجام . وهكذا ينقله إلى مرتبة مرتبة ، فهذه أمور يتبع بعضها بعضا إذا خطر على قلب العاقل الصانع ولا يحتاج في جميعها إلى تنبيه بعد خطور ما ذكرناه بباله . فإن فرضنا في بعض العقلاء أنّه لا يتنبّه على بعض هذه المراتب ولا يخطر له بعض هذه الأمور بالبال لبعد في فطنته أو لغموض في مواضع ، فذلك هو الذي يجب أن ينبّه على ما لا يتنبّه عليه ولا يخطر له بالبال ويجب عليه أن يسأل غيره ليوضح له ما أشكل عليه ويسهّل عليه طريقه . فإن لم يظفر بغيره وقد كلّفه اللّه تعالى فعل العلم عقيب ذلك الوقت ، فلا بدّ من أنّ ينبهه أو يقيّض من ينبّهه ، وإلّا وجب أن يمهله حتّى يكرّر البحث والنظر ، لينتقل من كلّ مرتبة من مراتب الأدلّة التي تبنى عليها . وقوّى الشيخ أبو الحسين مذهب أبي هاشم في انّه لا يجب تنبيه العاقل على مراتب الأدلّة - على ما شرحناه - ولكنّه خالفه في حقيقة الخاطر ، وكذا خالف فيها أبا عليّ ، لأنّه قال : « الأولى أنّ خطور الشيء بالبال هو شيء مفرد سوى الاعتقاد ، والظنّ وسوى الكلام ، بل هو حصول معنى الشيء في النفس من غير أن يحكم الإنسان فيه بحكم » ، ومعنى قوله : « هو حصول معنى الشيء في النفس » حصول العلم بحقيقة الشيء وكنهه الذي يسمّيه جماعة تصوّر الشيء ، كالعلم بحقيقة الجوهر والسواد وغيرهما من الأجناس والأنواع ، وهذا قويّ .
المنقذ من التقليد — صفحة 283 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي