قلنا : قول من يقول ذلك باطل . وبيانه أنه نقول له : علمك الذي ادّعيته بأنّ الحاصل عند النظر ليس علما هو علم ضروريّ أو استدلالي ؟ إن قال ضروريّ ، قلنا قولك هذا ليس بأولى من قول من يقول : « أنا أعلم ضرورة أنّه علم » ، بل قوله أقرب في العقل من قولك . لأنّ من يقول : إذا علمت أنّ الدخان لا يكون إلّا من نار وعلمت دخانا في موضع معيّن فاعتقدت أنّ ثمّ نارا أنا أعلم ضرورة أنّ اعتقادي هذا علم » ، يكون قوله أقرب في العقل من قول من يقول : « أنا أعلم ضرورة أنّ ذلك الاعتقاد ليس علما » . وإن قال : « أعلم ذلك استدلالا » ، قلنا فقد أقررت بأنّ النظر والاستدلال يحصل عنده العلم وأبطلت مذهبك في أنّ الحاصل عن النظر في الدليل لا يكون علما . وبهذا « 1 » نجيب كلّ من احتجّ وتمسّك بشبهة في أنّ النظر لا يولّد العلم بأن نقول : نظرك واستدلالك هذا هل أثمر لك علما بما تقول أم لا ، إن قال : فما أثمر لي علما ، فقد أبطل متمسّكه وحجّته ، وإن قال : نعم أثمر لي علما ، أبطل مذهبه وظهرت مناقضته .
فإن قيل : فما جواب المسترشد إذا قال : بم أعلم أنّ الاعتقاد الحاصل عند النظر علم ؟
قلنا : بأن يعلم أنّه متعلّق بدخول معيّن في جملة معلومة ، وبأنّ العين المطابقة لجنس لها من الحكم ما هو لازم للجنس ، وذلك لا يكون إلّا علما ، وهذا معلوم ضرورة .
فان قيل : بم تبطلون قول الجاحظ : إنّ العلم إنّما يحصل عند النظر بإيجاب الطبع له ؟
قلنا : الطبع الذي قاله لا يخلو من أن يعنى به كون الحيّ ناظرا في الدليل أو شيئا آخر . إن عني به الأوّل فهو الذي نقوله وإنّما يؤول خلافه إلى العبارة ، وإن
هامش
( 1 ) م : ولهذا .