وجدنا من أنفسنا مكنة أن لا نفعله ، وإذا جرّبناها في الامتناع عند نظرنا الصحيح ، فانّا لا نجد من أنفسنا مكنة الامتناع من العلم ، ألا ترى أنّ من علم أنّ الدخان لا يكون إلّا من نار في وقود ، ثمّ رتّب عليه علمه بأنّ في موضع دخانا من غير شك وريب ثمّ أراد تجربة لمحاله أن لا يعلم أنّ ثمّ نارا ، فانّه لا يمكنه الامتناع من هذا العلم ، فعلمنا بهذا أنّ وقوع العلم عند النظر الصحيح ليس على طريق الابتداء .
فإن قيل : فمخالفوكم ينظرون في أدلتكم كنظركم ولا يحصل لهم العلم ، فلو كان النظر مولّدا لعلم لوجب حصول العلم لهم .
قلنا : لهم : غير مسلّم أنّهم ينظرون كنظرنا ، إذا لو نظروا كنظرنا لحصل لهم العلم كحصوله لنا . ألا ترى أنّ راميين إذا رميا في سمت واحد فأصاب أحدهما الغرض وأخطأه الآخر ، فانّا نعلم أنّ المخطئ منهما أخلّ ببعض شروط الإصابة ، وإلّا أصاب كصاحبه وإن لم نعلم ذلك الشرط على طريق التعيين .
ثمّ نقول : إنّما لم يحصل للمخالف العلم من حيث انّه لم يعلم مقدّمات دليلنا أو لم يرتبه الترتيب الصحيح . مثلا إذا فرضنا المخالف لنا في حدوث الجسم ، فهو إمّا أن لا يسلّم إثبات الأعراض أو لا يسلّم حدوثها أو لا يسلّم استحالة خلوّ الجسم منها أو لا يسلّم أنّ لها أوّلا . فأمّا إذا سلّم هذه الأصول ، فلا يمكن أن لا يحصل له العلم بحدوث الجسم .
ثمّ نقول لمورد هذا الكلام إن أورده محتجّا مستدلا به علينا : أعلمت بالاعتبار الذي ذكرته شيئا ، أو ما علمت به شيئا ؟ إن قال بالثاني - وهو انّه ما علم به شيئا - بطل احتجاجه واستدلاله ، وإن قال بالأوّل - وهو أنّه علم به شيئا - بطل مذهبه في أنّ النظر لا يولّد العلم وناقض في قوله .
فإن قيل : لم قلتم إنّ الاعتقاد الحاصل عن النظر في الدليل علم ؟ وفي الناس من ذهب إلى انّه لا علم إلّا الضروريّ ؟ وأنّ ما يفضي إليه النظر لا يكون علما ؟ .
المنقذ من التقليد — صفحة 275
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٧٥