تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
بحصول العلم عنده وبحسبه . وكذا في الأخبار المتواترة وكونها طريقا إلى العلم . فإذا قيل : وبم عرفتم حصول العلم عند النظر ؟ أشرنا إلى ما تقدّم من كلامنا وهو التجربة الحاصلة فيه . فإن قيل : فبم تجيبون من يسألكم عن جنس النظر ؟ وانّه هل هو مفض إلى العلم أم لا ؟ من دون إشارة إلى نظر معيّن . قلنا : جوابه أن نقول : أنا لا نقول إنّ جنس النظر مطلقا يفضي إلى العلم ، وإنّما نقول إنّ النظر الصحيح هو مفض إلى العلم . فإذا قيل : وما معنى كونه صحيحا ؟ ثمّ لم قلتم إنّه يحصل عنده ما هو علم ؟ قلنا : نعني به ترتيب علوم ترتيبا مخصوصا وهو بأن يكون بعضها متعلّقا بالبعض بأن يكون كلّ واحد من العلمين متعلّقا بوصف مشترك بين معلوميهما ، كعلمنا بأن الجسم لا يخلو من حوادث لها أوّل وعلمنا الآخر وأنّ ما لا يخلو من حوادث لها أوّل فهو محدث . ألا ترى أنّ نفي الخلوّ من حوادث لها أوّل وصف تعلّق به العلمان وهو مشترك بين معلوميهما ، وبيان أنّ الاعتقاد الحاصل عند هذا الترتيب علم هو أنّه اعتقاد لثبوت مثل الحكم اللازم في العامّ للخاصّ الداخل تحته ، ولزوم مثل ذلك الحكم الذي لزم العامّ للخاصّ معلوم ضرورة . فإن قيل : قد جرى في كلامكم أنّ النظر والاستدلال المرجع بهما إلى ترتيب علوم مخصوصة فلم قلتم ذلك ؟ قلنا : لأنّا هكذا نجد من أنفسنا إذا نظرنا واستدللنا ، لأنّا عندما ننظر نجد من أنفسنا كأنّا نعتمد باطننا من ناحية الصدر إلى ما في داخل الدماغ فنستحضر علوما ونرتّب البعض منها على البعض يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّه إذا سئل الناظر الذي استدلّ بدليل على مدلول عن كيفيّة استدلاله واجتهد في أن يبيّن لسائله كيفيّة نظره واستدلاله ، لا يأتي بمثل ما ذكرناه . فإن قيل : كيف تقولون في النظر في الشبهة أهو مولّد الجهل أم ليس بمولّد ؟
المنقذ من التقليد — صفحة 279 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي