تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
قلنا : إذا لم يرد اللّه تعالى استئناف التكليف عليه صرف أسباب الخوف عنه حتّى لا يلزم تكليفه . فإن قيل : لم قلتم إنّ النظر يولّد العلم ؟ وإنّ حصول العلم عنده واجب على طريق التوليد والتسبيب ؟ فقد وعدتم ببيان ذلك . قلنا : بيان ذلك أنّ حصول العلم عند النظر الصحيح واجب ويقلّ بقلّته ويكثر بكثرته ، فلو لا انّه متولّد عنه لما وجبت هذه القضيّة فيه ، وبمثل هذه الطريقة علمنا أنّ الإصابة متولّدة عن الرمي والألم متولّد عن الوهي ، ومعنى قولنا : « يقع العلم بحسب النظر » أنّ العلم يحصل بمدلول الدليل الذي ينظر الناظر فيه لا بمدلول آخر ، وعنينا بقولنا : « يقلّ بقلّته ويكثر بكثرته » الأنظار المختلفة في الأدلّة المختلفة ، لأنّ أحدنا إذا كثر نظره في الأدلة المختلفة كثرت علومه بمدلولاتها ، وإذا قلّ نظره في الأدلة قلّت علومه ؛ وعنينا ب « النظر الصحيح » ، أن يكون واقعا في الدليل على الوجه الذي يدلّ ، كأن ينظر في أنّ الجسم لا يخلو من حوادث لها أوّل ثمّ يرتّب علمه هذا على علمه بأنّ ما لا يخلو من حوادث لها أوّل هو محدث ، فانّه عند ذلك يعلم حدوث الجسم من حيث وقع نظره هذا في الدليل على الوجه الذي يدلّ ، فكان صحيحا . بخلاف ما لو ضمّ إلى علمه الذي وصفناه علمه بأنّ الشمس طالعة مثلا ، لأنّ هذا لا يكون نظرا صحيحا من حيث لم يتعلّق هذا النظر بالدليل على الوجه الذي يدلّ فلم يولّد علما به . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنّما يحصل عند نظرنا العلم لقوّة دواعينا إلى فعله لا من حيث انّ النظر ولّده فقد علمنا أنّ ما يقوى دواعينا إليه يجب وقوعه بحسب دواعينا . قلنا : فرق بين وقوع العلم عند النظر الذي وصفناه وبين وقوع ما يقع منا مبتدأ لقوّة دواعينا إليه . وذلك لانّا إذا جرّبنا أنفسنا فيما نفعله لقوّة الدواعي ،