لتجويزه كونه مفسدة وتجويز وجه القبح في الفعل « 1 » كالقطع عليه في قبح الإقدام على الفعل .
قلنا : لو ورد له مثل هذا الخاطر ، فانّه يجب على اللّه دفعه عنه ليسلم له خاطره المخوّف من ترك النظر وإهماله ويصير النظر واجبا عليه . وجملة الأمر انّه لو لم يخف من إهمال النظر وتركه لم يكن مكلّفا أصلا على ما ذكرناه .
فإن قيل : العاقل قبل أن ينظر ويحصل له بنظره العلم ، لا يكون عالما بأن نظره يفضي إلى العلم فيجوز أن يفضي به إلى الجهل ، فيقبح منه الإقدام عليه ، لأنّ تجويز وجه القبح في الفعل كالقطع عليه من قبح الإقدام عليه .
قلنا : العاقل قد علم حسن جميع الأنظار عند اشتباه الأمور والتباسها ، بل قد علم وجوب البعض ، وهو الذي يخاف في إهماله الضرر فيأمن بذلك من إفضاء النظر إلى جهل أو قبيح آخر ، وكيف يجوّز قبح ما قد علم حسنه .
ثمّ نقول للسائل : يلزمك على هذا القول أن يحكم بقبح النظر في الأمور الدنيوية أيضا الذي قد علمنا ضرورة حسنه بمثل ما ذكرته في النظر في طريق معرفة اللّه .
فإن قيل : لم قلتم إنّ العاقل لو لم يخف من ترك النظر في ابتداء تكليفه ، للزم أن لا يكون مكلّفا جملة ؟
قلنا : لما أشرنا إليه ، وهو أنّه إذا كلّفه الحكيم لا بدّ من أن يزيح علّته بالإقدار والتمكين واللطف أيضا ، لأنّه داخل في جملة إزاحة علّة المكلّف ، على ما نبيّنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى .
واللطف إذا كان من فعله تعالى وجب أن يفعله ، وإذا كان من مقدور العبد وجب عليه تعالى أن يكلّفه ذلك ويجري تكليفه ذلك الفعل الذي هو
هامش
( 1 ) ج : في العقل .