وشكر يستحقّهما ، أو توقّع ثواب أو جزاء أو مكافاة من جهة ذلك الغير ، لولا ذلك لما كان يفعله ولا يتحقّق بذلك كونه منعما عليه . إنّما المنعم في الحقيقة هو الذي يفيض من ذاته الخير على الغير لا لغرض على ما يقوله الفلاسفة .
قلنا : ما يقولونه حدس باطل وبيانه أنّا إذا فرضنا واحدا سقط من موضع عال ، فيقع على عدوّ لإنسان فيقتله من دون قصد منه إلى ذلك لا يعدّ منعما على ذلك الغير . ولو أرسل واحد حجرا على غيره ليقتله أو يضرّه فدفع إنسان ذلك الحجر وقصده دفع الضرر عن الغير ، لكان منعما عليه بلا شكّ وريب ، فما قالوه عكس الواجب .
ثمّ نقول للسائل : ما تقول فيمن ينفع الغير أو يدفع عنه ضررا ولا يكون له في ذلك غرض راجع إليه بوجه من الوجوه ؟ وإنّما غرضه الإحسان إلى الغير ، ليكون منعما عليه أو لا يكون منعما على هذا التقدير ؟ لا يمكن أن يقال لا يكون منعما فيجب أن يكون منعما . إذا تقرّر أنّ من وصفناه يكون منعما فهكذا نقول فيما فعله اللّه تعالى بالعبيد .
فإن قيل : أليس الخلائق كما ينتفعون بضروب المنافع فكذلك يستضرّون بضروب الآفات والمحن ، والكافر زائدا على ذلك يستضرّ بعقوبة الآخرة ، فكيف تقولون إنّه خلقهم لنفعهم ؟
قلنا : لا يمكن دفع منافع الحيوانات التي ينتفعون بها وشرف تلك المنافع وعظم قدرها ، حتى أنّ أكثر أصحاب البلاء والأمراض والأسقام والفقراء لما أشعروا « 1 » بالموت ومفارقة الحياة الدنيا فرقوا من ذلك فرقا عظيما ، وأكثرهم يتمنون ويودّون أن يبقوا على ما هم عليه ولا يموتوا ، فكيف ينكر عظم موقع المنافع المعجلة . وأمّا المحن التي تنزل بهم ، فانّها في الحقيقة منح من اللّه تعالى
هامش
( 1 ) م : إذ يشعروا .