فيقال لهم : أليس عندكم انّه تعالى متكلّم بكلام قديم قائم بذاته ، غير حالّ فيه ولا في غيره ؟ فلم لا يجوز أن يكون كلامه محدثا قائما بذاته أيضا غير حالّ فيه ولا في غيره ؟ ثمّ وإذا كان حالّا في غيره ، لم قلتم إنّه يجب أن يشتقّ للمحلّ منه الوصف ؟ ومن الذي يجب عليه أن يشتقّ الوصف ؟ أهو تعالى أو غيره ؟
إن قالوا : يجب على اللّه تعالى .
قلنا : كيف يجب على اللّه تعالى شيء ؟ أو لستم تذهبون إلى أنّه تعالى لا يجب عليه شيء ؟ لأنّه ليس تحت حدّ ورسم وأمر .
فإن قالوا : نريد به أنّه يجب وقوعه منه من جهة الدواعي .
قلنا : الداعي ينقسم إلى داعي الحاجة وإلى داعي الحكمة ، وداعي الحاجة مستحيل عليه . وأمّا داعي الحكمة الذي يجب معه وجود الفعل من جهة الحكيم ، فهو العلم بوجوب الفعل ، ولا يجب عليه تعالى شيء عندكم ، حتّى يكون علمه بوجوبه داعيا له إلى فعله ، ويتحتّم حصول الفعل عنده وبحسبه .
وإن قالوا : إنّما يجب هذا الاشتقاق على العبد .
قلنا : كيف تقولون ذلك ؟ وعندكم أنّ الأصل في اللغات إنّما هو التوقيف من جهته تعالى دون المواضعة من جهة العباد .
ثم ولو ذهبتم إلى أنّ الأصل في اللغة إنّما هو المواضعة من جهتهم ، لم قلتم إنّه يجب عليكم هذا الاشتقاق ؟ أوليس الوجوب من الأحكام التي تتلقى من الشارع ، فأيّ شرع يدلّ على أنّه يجب عليهم هذا الاشتقاق ؟
ثم وهب انّه جاء شرع مقرّر لوجوب هذه الاشتقاق ، فلم لا يجوز أن يخلو بهذا الواجب ؟ أو ليسوا يخلون بكثير من الواجبات ؟
فإن قالوا : نعني بهذا الوجوب وجوبا من جهة الدواعي ، أي يقوى دواعيهم إلى هذا الاشتقاق ، فيتحتّم حصوله .
قلنا : ولم قلتم : إنّه يقوى دواعيهم إلى ذلك ؟
المنقذ من التقليد — صفحة 231
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٣١