مذاهبهم بأن يقال ما تدّعونه من المعنى القائم بنفس المتكلّم غير معلوم ضرورة ، ولا يدلّ عليه دليل فوجب نهيه ، وإلّا أدّى إلى فتح باب الجهالات .
إن قالوا : إليه طريق وأشاروا بذلك إلى العبارة ، فالكلام عليه ما سبق .
فان تمسّكوا بما ذكرناه من قبل من قول القائل « في نفسي كلام » ، وقول الشاعر : « انّ الكلام لفي الفؤاد » ، فالجواب منه ما سبق .
ثمّ نقول لهم : هذا توصّل إلى إثبات المعنى بالعبارة . وذلك باطل ، لأنّ المعبّر عن أمر إمّا أن يعبّر عمّا علمه أو عن ما لم يعلمه . فإن عبّر عمّا لم يعلمه ، لم تكن في عبارته حجّة ، وإن عبّر عمّا يعلمه فعلمه لا يخلو من أن يكون ضروريا أو استدلاليا إن كان ضروريا فليذكره حتّى ننظر فيه ، ويلزم عليه أن لا يكون مختصّا به دون غيره . وإن كان استدلاليّا ، فليذكر دليله ، فانّ الحجّة فيه ، لا في عبارته .
وقد حكى بعضهم أنّه تعالى متكلّم لنفسه . والردّ عليه هو أن نقول : إضافة الصفة إلى النفس فرع على إثباتها . والمتكلّم ليس له بكونه متكلّما صفة ، فكيف تكون نفسيّة . وإنّما المتكلّم هو فاعل الكلام . كما أنّ المحسن هو فاعل الإحسان .
فالقول بأنّه متكلّم لنفسه يتناقض من حيث إن وصفه بأنه متكلّم يقتضي أنّه فعل كلاما وأن له كلاما ، ووصفه بأنّه متكلّم لنفسه يقتضي أنّه متكلّم لا بكلام ، فيتناقض القولان . كما لو قال قائل في المحسن أنّه لمحسن لنفسه أو متفضّل لنفسه أو فاعل لنفسه .
ثم يلزمهم على قولهم هذا : أن يكون تعالى متكلّما بسائر ضروب الكلام ، حتّى يكون متكلّما بالكذب ، وأن يكون آمرا بكلّ ما يمكن الأمر به ، ناهيا عن كلّ ما يمكن النهي عنه ، وكلّ ما يصحّ الأمر به يصحّ النهي عنه فيلزم أن يكون آمرا بجميع ما هوناه عنه ، ناهيا عن جميع ما هو آمر به ، وأن يكون مكلّما لكلّ
المنقذ من التقليد — صفحة 228
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٢٨