ألا ترى أنّ الكلام العربي لو كتب بالخطّ العربيّ والسريانيّ واليونانيّ لكانت الرقوم مختلفة والكلام غير مختلف وكذلك التوراة لو كتب بالخطّ العربيّ لكان الخطّ العربيّ مخالفا للخطّ العبريّ ، وعبارات التوراة غير مختلفة ، وبعد ، فلو دلّ إمكان تلاوة الكلام من الكتابة على أنّه موجد معها ، فليدلّ على أنّه موجود مع الإشارة والعقد على الأصابع لإمكان تلاوته منهما بتقدّم مواضعه عليهما ، ومعلوم خلاف ذلك .
وأيضا فكان يلزم ، في الأميّ الذي لا يعرف الخطّ ، أن يعرف الكلام بالنظر في الكتابة ، لأنّه موجود معها كما لو سمع كلاما بلغة لا يعرفها ، فانّه يعلم الكلام ووجوده وثبوته ، وإنّما لا يعلم معناه .
وبعد ، فانّ صورة الميم في بعض الخطوط تشبه صورة الصاد في بعضها ، وكذلك القول في صورة النون والراء والزاء ، وفي الخطّ العربيّ صورة الباء والتاء والثاء واحدة ، وكذا صورة الجيم والحاء والخاء واحدة ، وكذا القول في الدال والذال والسين والشين ، والصاد والضاد ، والطاء ، والظاء ، والعين والغين . فليس بعض هذه الحروف بأن يوجد مع بعض هذه الرقوم أولى من البعض ، فيجب أن يكون كلّ حرف من حروف الكلام موجودا مع كلّ رقم من رقومه المتشابهة .
وأيضا فانّه يلزم أن يكون القرآن ، وغيره من كتب اللّه موجودة مع جميع أجسام العالم ، لأنّه يمكن إظهار كتابه القرآن والكتب في جميع الأجسام ، لا بإثبات شيء فيها ، بل بإزالة أبعاض عن حواليها ، كما يظهره النقّارون ، لأنّهم بالنّقر لم يثبتوا شيئا ما كان ثابتا ، وإنما أزالوا بعض ما كان ثابتا ، والكلام موجود مع الكتابة على قول أبي عليّ ، فكما لم يتجدّد كتابة ما كانت ينبغي أن لا تجدّد ، ينبغي أن لا يتجدّد حصول كلام هناك ما كان قبله . فاتضح لزوم ما ذكرناه من وجود القرآن وجميع كتب اللّه تعالى من جميع أجسام العالم .
وأمّا قولهما : « الحافظ للقرآن يمكنه تلاوة القرآن » . فالجواب عنه أن نقول :
المنقذ من التقليد — صفحة 225
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٢٥