إلى مذهبهما من العقلاء . ومعلوم أنّ غيرهما من العقلاء لا يجوّزون ذلك .
أمّا الصفاتيّة فانّهم أثبتوا كلام اللّه تعالى معنى قائما به مخالفا للحرف والصوت . والأشعريّ منهم ذهب إلى أنّ الكلام معنى قائم بذات المتكلّم شاهدا وغائبا وقد ذكرنا أنّا لا نكلّمهم في قدم ذلك المعنى أو حدوثه ، إنّما نكلّمهم في إثباته فنقول لهم : ما ادّعيتموه من المعنى القائم بذات المتكلّم ، لا نعلمه ضرورة فما الطريق إلى إثباته ؟
إن قالوا : أليس المتكلّم بالنطق والعبارة قبل شروعه في إيراد العبارات يجد أمرا يديره في خاطره ويورد عبارات مطابقة له ؟ فذلك الأمر هو الذي نثبته وهو موجود في النفس .
قلنا : ما يجده المتكلّم في نفسه ممّا أشرتم إليه إنّما هو إمّا علم بكيفيّة ترتيب ما يورده من العبارات أو نظر في كيفيّة إيرادها أو عزم على إيرادها ، لا يعقل وراء ذلك معنى آخر .
فإن قالوا : نستدلّ بالعبارات المطابقة لما في قلبه على المعنى الذي نثبته .
قلنا : الدلالة ينبغي أن يكون لها تعلّق بمدلولها ليكون بأن يدلّ على مدلولها أولى من أن يدلّ على غيره . وهذه العبارات ليست إلّا حوادث مرتبة على وجه الإحكام مختصّة ببعض الوجوه الجائزة عليها ، ككونها أمرا ونهيا أو خبرا إلى غيرها ، لا وجه لها سوى ما ذكرناه ، فهي بحدوثها وصحّته تدلّ على كون فاعلها قادرا ، وبإحكامها على كونه عالما ، وبوقوعها على وجه دون وجه على كونه مريدا وكارها لا تدلّ على غير ما ذكرناه ، لعدم العلقة بينه وبين غيره . فثبت أنّه لا طريق إلى إثبات ما ذكروه ولا هو معلوم ضرورة فوجب نفيه .
ويمكن تجويز « 1 » هذه الجملة على وجه يكون ابتداء استدلال على بطلان
هامش
( 1 ) م : تحرير .