تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
السلام سمع كلام اللّه فيما أوحى اللّه تعالى إليه بواسطة جبرئيل وشيء آخر : وهو أنّه إذا كان ما يقرؤه القارءون ويتلوه التالون فعلا لهم ، لوقوعه بحسب قصودهم ودواعيهم ، وجب أن يكونوا قد أتوا بمثل القرآن ، وذلك ينقض كونه معجزا . قلنا : لا يلزمنا شيء من ذلك مع ما ذهبنا في كلام اللّه تعالى إلى ما حكاه السائل عنّا وذلك لأنّ الكلام إنّما يضاف على الوجه المشار إليه إلى من ابتدأ مثل ذلك النظم دون من يحكيه فلا يقال فيما ينشده الواحد منّا من شعر لبيد ، مثلا ، إنّه كلام المنشد وشعره ، ولو قال قائل ذلك لكذّبه كلّ من يعلم أنّه من إنشاء لبيد ، ويقول : إنّ هذا كلام لبيد وشعره . وكذا في الخطبة التي يوردها خطيب من خطب ابن نباتة مثلا ، فانّه لا يقال إنّه من كلام الخطيب ، وإنّما يقال إنّه من كلام ابن نباتة وهذه الإضافة حقيقة عرفيّة . وبيان كونها حقيقة أنّ كلّ من يسمعها لا يسبق إلى فهمه منها إلّا المعنى الذي ذكرناه ، ولا يحتاج في حملها على هذا المعنى إلى قرينة ، وهذا من دلائل الحقيقة . فإن قيل : كيف يكون ما يحدثه الواحد منّا ويقع بحسب قصده وداعيه كلام اللّه تعالى ؟ وكيف يصحّ الجمع بين هاتين الإضافتين ؟ سيّما ومن مذهبكم أنّ المتكلّم بالكلام هو فاعله . قلنا : حدوث ما نحدثه من قراءة كلام اللّه تعالى بحسب قصودنا ودواعينا ، لا يمنع من إضافته إلى اللّه تعالى على الوجه الذي ذكرناه ، وبالمعنى المشار إليه ، وهو أن يقال إنّه كلامه تعالى أي هو المبتدئ بمثل هذا النظم ، لا على معنى انّه الذي يحدثه في الحال . وهذا ظاهر في الأمثلة التي ضربناها . والتحقيق فيه : أنّا لا نقول فيما نتلوه ونوجده من الحروف والأصوات أنّه من فعل اللّه ، وانّما نقول هو كلامه تعالى . وكما يجوز في شخص واحد أن يكون ولدا لشخص واحد ويكون عبدا للّه تعالى ، ولا يمنع إضافته بالولادة إلى شخص آخر من إضافته إلى اللّه