تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ومعنى هذه الآية : من يرد اللّه أن يثيبه في الآخرة بإيمانه وطاعاته التي فعلها يشرح صدره في الدنيا ليطمئنّ قلبه إلى الإيمان ويثبت عليه . لأنّه إذا انشرح صدره عند عمل يعمله ، كان ذلك ادعى إلى التثبّت عليه . وبيانه أنّ من دخل بلدة فيشرح صدره عند دخولها ، كان ذلك ادعى له إلى المقام في تلك البلدة فعلى هذا شرح اللّه تعالى صدر المؤمن عند إيمانه يكون لطفا له في التثبّت عليه وثوابا ناجزا وأمارة لكونه مثابا في الآخرة ومن يرد اللّه أن يعاقبه في الآخرة بكفره ومعاصيه يجعل صدره ضيّقا حرجا في الدنيا عند كفره ومعاصيه كيما ينزجر بذلك عنهما ، فانّ من يضيق صدره عند عمل يعمله يكون ذلك صارفا زاجرا له عنه . فعلى هذا يكون ضيق صدر الكافر عند كفره عقوبة ناجزة له في الدنيا زاجرة عن التثبت والمقام على الكفر وأمارة لكونه معاقبا في الآخرة . فأمّا قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :
« إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ »
« 1 » فالمراد بالفتنة التكليف والشدّة ، لأنّ الفتنة قد تكون بمعنى الشدّة . وقوله :
« تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ »
أي تهلك بها من تشاء . وهم الذين كفروا بهذا التكليف وضلّوا عنده . وإن لم يكن التكليف قد أضلّهم على التحقيق . كما قال تعالى :
« فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي »
« 2 » ، فنسب نسيانهم ذكر اللّه إلى المؤمنين لمّا نسي الكفّار ذكر اللّه عند سخريّتهم بالمؤمنين ، وإن كان المؤمنون لم يحملوهم على أن ينسوا ذكر اللّه . فصحّ أنّ اللّه تعالى إنّما يضلّ عباده ، بمعنى يعاقبهم ، أو بمعنى أن يفعل فعلا عنده يضلّون ، لا بطريقة دعوة فعل اللّه تعالى إيّاهم إلى الضلال حتّى تكون مفسدة ، ولا يضلّ أحدا بمعنى خلق الكفر والضّلال فيه ، ولا بمعنى تلبيس طريق الحقّ عليه .
هامش
( 1 ) الأعراف : 155 . ( 2 ) المؤمنون : 110 .