وكذلك لا يجوز أن يكون معنى الضلال المضاف إليه تعالى خلق الضلال والكفر في العبد ، لأنّه لو كان كذلك لما استحقّ العبد عليه ذمّا وعقابا ، ولما حسن من اللّه تكليفهم ترك الضلال والكفر ، لأنه يكون تكليفا « 1 » لما لا يطيقه العبد ، وذلك قبيح لا يفعله تعالى . وكذا لا يكون بمعنى الإشارة إلى غير طريق الحقّ وإيهام أنّه طريق الحقّ ، لأنّه يكون تلبيسا للأدلّة ونقضا لما هو الغرض بالتكليف . وذلك أيضا قبيح لا يفعله تعالى . فعلى هذا معنى ذلك الضلال إنّما هو العقوبة أو الحكم بأنّه ضالّ .
يوضح ما ذكرناه قوله تعالى :
« وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ »
« 2 » ، أي الكافرين ، بدلالة قوله :
« وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ »
« 3 » إلى آخر الآية . فبيّن انّه تعالى جزى فسقهم الذي هو الكفر . وجزاء الكفر إنّما هو العقوبة لا نفس الكفر .
وكذلك قوله تعالى عقيب قوله :
« وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ، كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ . كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ »
« 4 » والرّجس هو العذاب فبيّن أنّه تعالى إنّما يفعل الرجس الذي هو العقوبة على الذين لا يؤمنون . ولو كان المراد بالضلال هاهنا الكفر لمكان معنى الكلام « كذلك يجعل اللّه الرّجس » الذي هو خلق الكفر « على الذين لا يؤمنون » فكأنّه قال : إنّما يخلق فيهم الكفر لأنّهم لا يؤمنون . ونفي الإيمان من المكلّف كفر ، فيكون تلخيص معنى الكلام أنّه إنّما خلق فيهم الكفر لأنّهم كافرون وهذا خلف من الكلام .
هامش
( 1 ) ج : لأنّه لو كان تكليفا .
( 2 ) البقرة : 26 .
( 3 ) البقرة : 26 .
( 4 ) الأنعام : 125 .