له الخليفة في مناظرته ، فحرّك أبو العتاهية يده وقال : « من حرّك هذا ؟ » فقال ثمامة : « من أمّه زانية » ، فقال أبو العتاهية : « يا أمير المؤمنين ! اشتمني » ، فقال ثمامة : « يا أمير المؤمنين ! ترك مذهبه » ، فانقطع أبو العتاهية .
أمّا شبههم التي يوردونها ، فليس بأغمض من شبه السوفسطائيّة ، كقولهم يرى العنبة في الماء كالإجّاصة ، ونرى المرئيّ معوّجا في الماء ، وراكب السفينة يرى الشط كأنّه سائر . ثمّ أنّ هذه الشبهات لا تزيلنا عن العلم والثقة بالمشاهدات ، فكذلك شبه الحالفين في المخلوق .
وقد استدلّ الشيوخ أيضا في المسألة بأنّ قالوا : تصرّف العبد يجب وقوعه بحسب قصده وداعيه ، وانتفاؤه بحسب صارفه ، وعنوا بوجوب الوقوع ، استمرار وقوع التصرّف بحسب الداعي لأجلها ، ألا ترى أنّ العطشان العالم بما في شربه الماء من اللذّة وتسكين عطشه ، إذا لم يعتقد فيه ضررا أو فوت منفعة أعظم منه ، فإنّه لا بدّ من أن يقع منه الشرب ، والعالم بما في النار من الإحراق والمضرّة إذا لم يعتقد فيه منفعة أعظم من مضرّتها أو اندفاع ضرر أعظم منها لا بدّ من أنّ يتجنّبها . فلو لا أنّ تصرّفه من فعله لما وجب وقوعه بحسب قصده وداعيه ولا انتفاؤه بحسب صوارفه كتصرّف غيره .
ولقائل أن يقول لهم : إذا كنتم تعلمون وجوب وقوع تصرّف العبد بحسب دواعيه ضرورة فقد علمتموه فاعلا ضرورة ، إذ قد بيّنا الفاعل هو الذي حدث الشيء على سبيل الدواعي .
قالوا : وقد سقط باعتبار الوجوب الذي ذكرناه الاعتراض بوقوع تصرّف العبد بحسب إرادة السيّد وتصرّف الرعيّة بحسب إرادة الملك ، وسير الدابّة المروّضة بحسب إرادة راكبها ، ووقوع فعل الملجأ بحسب إرادة الملجئ ، ووقوع ما يريده أهل الجنة من اللّه تعالى . وذلك لأنّ شيئا من ذلك لا يجب وقوعه بحسب داعي المذكورين . ألا ترى أنّ العبد قد يعصي سيّده ، وكذا الرعيّة قد
المنقذ من التقليد — صفحة 165
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٦٥