تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أنّه فاعل بأن يقال : قد علمنا حسن أمر الغير بالحسن ومدحه عليه ونهيه عن القبيح وذمّه عليه وأنّه لا يحسن مدحه ولا ذمّه على لونه أو طوله أو قصره ، وكذا لا يحسن أمر الجماد بشيء ونهيه عنه . فلو لا أنّ ذلك الفعل واقع من جهتهم وحدث بهم لما حسن أمرهم بشيء ، ولا نهيهم عن شيء ولا مدحهم على البعض وذمّهم على البعض ، كما لا يحسن ذلك في ألوانهم وطولهم وقصرهم وكما لا يحسن في الجماد . وهذه هي طريقة الشيوخ في الاستدلال على أنّ العباد محدثون لتصرّفاتهم ويمكنهم الاستدلال على ذلك بما ذكرناه من قبل ، وهو أنّ في العالم قبائح مثل الظلم والكذب وغيرهما ، مع علمنا بأنها إنّما قبحت لوجوه مخصوصة وأنّه لا يتغيّر قبحها باختلاف فاعليها ، وعلمنا بأنّه تعالى لا يفعل القبيح على ما مرّ ، فلا بدّ من أن يكون لهذه القبائح فاعل ، لأنّها حوادث ، فيجب أن يكون العباد هم الفاعلون لها ، وإلّا كانت حوادث لا فاعل لها . فإن قيل : كيف تدّعون العلم الضروريّ بكون العبد محدثا لتصرّفه مع وقوع الخلاف من جماهير من العقلاء فيه ، ومع إيراد الشبهة الغامضة في خلاف ما يذهبون إليه ؟ قلنا : إنّما يخالف في هذه المسألة متكلّموا المخالفين وعلماؤهم دون عوامّهم ، وليس في متكلّمهم الكثرة التي تمنع من الجدّ فيما يعلم ضرورة ، ثمّ ومعاملة متكلّميهم أيضا تكذبهم ، لأنّهم أبدا لا يذمون إلّا من ظلمهم وأساء إليهم ولا يمدحون إلّا من أحسن إليهم ، ولا يحقدون إلّا على المسئ إليهم ولا يعتقدون الجميل إلّا في المنعم عليهم ، ولو رمي واحد منهم بحجر ، فإنّه لا يذمّ الحجر ، وإنّما يذمّ الرامي . يوضح ما ذكرناه ما حكي من انّ ثمامة كان في مجلس بعض الخلفاء ، وأبو العتاهية الشاعر حاضر ، فالتمس أبو العتاهية من الخليفة مناظرة ثمامة ، فأذن
المنقذ من التقليد — صفحة 164 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي