في حدّ الفاعل فيكون تحديدا لكلّ واحد من اللفظين بالآخر .
فالصحيح أن يقال : الفاعل المختار هو الذي حدث به الشيء على سبيل الداعي ، فيدخل في هذا الحدّ جميع الأفعال المبتدأ والمتولّد . وذلك لأنّ المتولّد أيضا يقع بحسب الداعي ، ولكن بواسطة سببه ، ألا ترى أنّ من دعاه الداعي إلى الرمي في سمت مخصوص فولد رميه إصابة شيء في ذلك السمت ، فإن إصابته في ذلك السمت بحسب داعيه ، وقد يدعوا الداعي إلى كثير من المتولّدات بالأصالة كالكتابة وغيرها . ويدخل الساهي والنائم في هذا الحدّ إذا فعلا ، لأنّهما أيضا يفعلان بحسب الداعي ، ولكنّهما لا يتذكران عند الانتباه داعيهما . وإن شئت قلت : الفاعل هو الذي يحدث به الشيء على سبيل الصحة ، ويدخل فيه جميع الأفعال وفعل الساهي والنائم أيضا على جميع الأقوال ، لأنّ من لا يثبت للساهي داعيا فإنّه يقول فيما يحدث عنه أنّه حدث على طريق الصحّة .
وإنّما قلنا أنّ هذا معنى الفاعل ، لأنّ المعقول من الفاعل المختار هو الذي يؤثّر على سبيل الداعي ، والمعقول من كونه مؤثّرا في الشيء أن يكون الشيء حادثا به .
ولأجله إذا ثبت ذلك فهذا المعنى معلوم ضرورة في تصرّفاتنا معنا . وكذا نعلم ضرورة أنّ العقلاء يعلمون باضطرار أنّ تصرّفات العباد حادثة بهم ومن جهتهم ، لأنّهم يتلطّفون في استدعاء الفعل منه ويعظونه ويزجرونه عن تركه ويحتالون بكلّ وجه ليفعله ويدعونه على فعل ما يكرهونه ويصفونه عليه ويمدحونه على فعل ما يوافق أغراضهم ويريدونه .
فعند هذا نعلم باضطرار أنّ العقلاء ساكنوا النفوس إلى أنّ الفعل بالعبد يوجد ولا يشكّون فيه ولا يداخلهم فيه شبهة ، لأنّ معاملتهم التي حكيناها تقتضي ذلك . ولو لم يعلم ذلك باضطرار لصحّ الاستدلال ، بما ذكرناه من استحسانهم أمر الغير بالحسن ، ومدحهم له عليه ونهيه عن القبيح وذمّه عليه على
المنقذ من التقليد — صفحة 163
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٦٣