بحدوث الأجسام .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال إنّه جسم ، لا بمعنى أنّه متحيّز طويل عريض عميق ، بل بمعنى أنّه قائم بنفسه ؟ .
قلنا : القيام بالنفس معناه الاستغناء عن المحلّ ، وذلك نفي لا يقبل التزايد . ومعنى الجسميّة يدخله التزايد بدلالة قولهم : هذا جسم وذلك الجسم منه ، وهو جسم ، فيجب أن يحمل على معنى يصحّ دخول التزايد فيه من الطول والعرض والعمق ، لا على ما لا يدخله التزايد من القيام بالنفس .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام ، كما يقولون شيء لا كالأشياء ، لا يتناقض ، لأنّ معنى « الشيء » : الموجود ، الذي يصحّ أن يعلم ويخبر عنه فإذا قلنا إنّه تعالى شيء أفدنا به أنّه موجود يصحّ أن يعلم ويخبر عنه .
وإذا قلنا : « لا كالأشياء » عنينا به أنّه مخالف لغيره من الموجودات بأسرها ، ولا تناقض في ذلك ؛ وأمّا قول القائل : « إنّه جسم لا كالأجسام » ، إن عني به أنّه طويل عريض عميق ، فقد دللنا على بطلان هذه الأوصاف فيه تعالى ، وإن عني به معنى آخر فقط أخطا من جهة اللغة ، وإن عني بقوله « الأول » : انّه طويل عريض عميق وبما قالوا « لا كالأجسام » : أنّه ليس بطويل عريض عميق ، فقد تناقض قولاه .
إذا ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ثبت أنّه يستحيل عليه ما يصحّ على الأجسام من الحركة والسكون والصعود والنزول والكون في مكان وحلول شيء فيه وأن يكون له أعضاء وجوارح .
وأمّا الدليل على أنّه تعالى ليس بعرض ، فهو أنّ من قال « إنّه عرض » ، إن عني به أنّه متجدّد الوجود قليل اللبث ، فقد أبطل ، لما بيّنا أنّه تعالى موجود واجب الوجود بذاته لم يزل ولا يزال وإن عني به أنّه ممّا يحلّ المحالّ ويحتاج في وجوده إليها ، فهو باطل من حيث أنّه لو كان كذلك لكان محدثا بحدوث
المنقذ من التقليد — صفحة 104
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٠٤