أقدر العبد عليه ، كما وجب ذلك في العلم ، وإذا امتنعوا من ذلك فقد نقضوا حمل القدرة على العلم وساغ « 1 » لمخالفهم أن يمتنع من القدرة على العلم في الموضع الذي ذكروه .
وبعد ، فهذا يقتضي أن يجوّزوا أن يكون تعالى يقدر العبد على الفعل من جميع جهاته ، كما جاز أن يعلمه المعلوم من جميع جهاته ، فإن أجازوا ذلك تركوا مذاهبهم .
وإن امتنعوا منه ، نقضوا حمل القدرة على العلم .
وأمّا الكلام على فساد القول بتعلّق القدرتين بالمقدور الواحد ، فداخل في جملة ما تقدّم ؛ لأنّهما إن تعلّقتا بقادرين فقد أفسدتا ذلك صريحا ، وإن تعلّقتا بقادر واحد واختصّاه فالأمر يؤول إلى كون المقدور الواحد لقادرين بضرب من الترتيب ، وذلك أنّ كلّ عرضين متماثلين اختصّا بحيّ واحد ، فإنّه يصحّ اختصاص مثلين من جنسهما بحيّين كالعلمين والإرادتين .
فإن قيل : دلّوا على صحّة ذلك ، وما أنكرتم أن تكون هاتان القدرتان اللتان تتعلّقان بهذا المقدور لا مثل لهما تتعلّق في آخر ؟
قلنا : محال أن يكون أمثال الذات محصورة بعدد ؛ لأنّ ما تعدّى الواحد لا ينحصر ولا يتناهى ، فكيف يقال : إنّه لا أمثال لما تعلّق بهذا المقدور من المقدّر ! فلم يبق إلّا أن يقال : له أمثال لا ينحصر كما ذكرتم ، من حيث تعدّى الواحد ، لكن زعمتم أنّه إذا كان غير منحصر فإنّه يتعدّى إلى حيّ .
[ فإن قيل ] : وما أنكرتم أن يكون كلّ الأمثال لهاتين القدرتين ، وإن كانت غير منحصرة يختصّ هذا الحيّ الواحد ؟
والجواب عن ذلك : إنّ هذا القول يقتضي أنّ بعض الجواهر قد اختصّ بقبيل لا يصحّ على غيره من الجواهر ، وذلك فاسد ؛ لأنّ كلّ جوهر يحتمل من قبيل الأعراض مثل ما يحتمله سائر الجواهر ، وكذلك كلّ حيّ يحتمل من الأعراض القبيل الذي يحتمله سائر الأحياء ، ومتى لم يحرز « 2 » هذا الأصل ، لم نأمن من أن يكون بعض المحالّ لا يصحّ فيها وجود شيء
هامش
( 1 ) . في الأصل : ساق .
( 2 ) . في الأصل : لم يحرس .