دليل آخر : على إثبات حال المريد ، قد ثبت أنّ أحدنا مخبر وآمر ، ولولا كونه مريدا لما وقع منه الخبر خبرا ولا الأمر أمرا وكذلك سائر الخطابات « 1 » ، وإن كان الخبر يحتاج إلى أن يكون فاعله مريدا لكونه خبرا ، والآمر يحتاج إلى أن يكون مريدا للمأمور به ، وهما وإن اختلفا من هذا الوجه ، فقد اتفقا فيما قصدناه من الدلالة على حال المريد .
فإن قيل : ألا كان الخبر يخالف جنسه ما ليس بخبر ، وكذلك الأمر ، فلا يحتاج إلى مؤثّر فيه من أحوال فاعله وإن لم يكن مخالفا ، فألّا كان ما يقع خبرا غير ما لا يقع كذلك ، وإن كان مثله ومن جنسه فلا يحتاج إلى كون فاعله مريدا ، كما لا يحتاج العرض المختصّ ببعض المحال إلى قصد فاعله في حلوله محلّه ؟
وإذا سلم كلّ هذا ، وأنّ الخبر بعينه يجوز أن يكون غير خبر ، من أين أنّه لا يكون كذلك ألا يكون فاعله على صفة ، ثمّ ما الدليل على أنّ تلك الصفة هي كونه مريدا ، وألّا كان كذلك لبعض ما عدا ذلك من أحواله ؟
قلنا : أمّا الذي يدلّ على أنّ الجنس واحد ، فهو التباسهما على الإدراك كالتباس السوادين ، وكما قضينا بتماثل السوادين كذلك يجب أن نقضي بتماثل ما جرى مجراهما .
وإنّما قلنا : إنّهما يشتبهان على الإدراك ؛ لأنّ من سمع قول القائل : « زيد قائم » وهو يقصد به إلى الإخبار عن زيد بعينه ، لا يفصّل بينه وبين قوله : « زيد قائم » وهو غير مخبر ، بأن يكون ساهيا أو حاكيا عن غيره ، ولقوّة التباسهما كان من يجوّز على الكلام الإعادة ، مجوّزا أن يكون ما سمعه ثانيا هو الذي سمعه أوّلا ، وكذلك من اعتقد بقاء الكلام .
فأمّا الذي يدلّ على أنّ نفس ما يقع فيكون خبرا ، يجوز أن يوجد غير خبر ، فأشياء كثيرة :
منها : إنّ الألفاظ العربية إنّما تفيده المواضعة ، والتواضع في الأصل إنّما حصل باختيار المتواضعين ، وقد كان يجوز أن لا يتواضعوا في هذه الصيغة المخصوصة أنّها للخبر ، ولو كان ذلك لكانت هذه الحروف بعينها توجد فلا تكون خبرا .
ومنها : إنّه لو كان الخبر عن أحد الزيدين غير الآخر ، لم يمتنع أن يفعل أحدنا اللفظ
هامش
( 1 ) . في الأصل : الخطاب .