تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وبما ذكرناه من أنّ الدليل مبنيّ على صحّة التمانع وتقديره دون ثبوته ، يسقط اعتراض من اعترض بأن يقول : كيف يصحّ أن يمنع الحكيم من الحسن ويقصد إلى ذلك ، والمنع من الحسن لا يكون إلّا قبيحا ؟ لأنّ ذلك لو كان قبيحا على ما ادّعى لم يمنع من التقدير ؛ لأنّ القديم تعالى يصحّ منه فعل القبيح وإن كان لا يفعله . فإن قيل : كيف يصحّ ما ذكرتموه ، والقديم إنّما يريد بإرادة توجد لا في محلّ ، وإذا كان له ثان في القديم ، وجب أن يكون تلك الإرادة متعلّقة بهما جميعا ، لفقد الاختصاص بهما ، وهذا يقتضي أنّ كلّ واحد منهما مريدا لما يريد صاحبه ؟ قلنا : ليس يجوز اتفاقهما في الإرادة مانعا ممّا رتّبنا عليه الدليل ؛ لأنّ الإرادة إنّما تدعو المريد بها إلى الفعل متى كانت من فعله وإذا كانت من فعله ، وإذا كانت من فعل غيره فيه لم يؤثّر في مقدوره ، ولم يكن داعيه إليه . ألا ترى أنّ اللّه تعالى لو خلق في قلب المشرف على الجنّة والنّار ، العالم بما فيهما من النفع والضرر ، إرادة دخول النار وكراهة دخول الجنّة ، لم يقع منه إلّا دخول الجنّة ، ولم يكن لإرادته لدخول النار تأثير ، من حيث لم يكن من فعله ولا تابعة لدواعيه ، فالقديمان على هذا وإن اتّفقا في الإرادة ، فيجب أن يكون الدواعي لكلّ واحد منهما إلى فعله هي الإرادة التي فعلها هو دون صاحبه ، وإن كان مريدا بالأخرى ، فيصحّ التمانع بالفعلين الضدّين على هذا ، ولا يمنع منه اتّفاقهما في الإرادة . على أنّ أحدهما وإن أراد ما أراده صاحبه ، فهو يريد بهذه الإرادة مقدوره ، وصاحبه يريد بها / 73 / مقدور غيره ، ومن أراد مقدور غيره لا حظّ لإرادته في إيجاد ذلك المقدور ؛ لاستحالة وجوده من جهته ، وإنّما يريد إرادته في مقدوره ، فيجب على هذا أن تكون إرادة كلّ واحد منهما لا إرادة من مقدوره دون ما سواه . على أنّ أكثر ما في السؤال أن يكون قدحا في التمثيل بذكر إرادة الحركة وإرادة السكون ، والقدح في المثال لا يكون قدحا في المستدلّ عليه . ولو عدل عن ذلك إلى أن يقال : لو دعى أحدهما الداعي إلى ضدّ ما دعى الآخر الداعي إليه كيف كانت ، يكون الحال لصحّ الكلام ، وذلك لو نقلنا التمانع إلى نفس الإرادة
الملخص في أصول الدين — صفحة 275 | الشريف المرتضى