دواعيه ، وارتفعت المفارقة بينه وبين المضطرّ .
واستقصاء هذا الباب يأتي من بعد بمشيّة اللّه .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ القادر لنفسه يجب أن لا يتناهى مقدوره من الجنس الواحد في الوقت الواحد ، إنّا قد بيّنّا فيما تقدّم عند الكلام في الصفات أنّ تعلّقه بالمقدورات تعلّق القادرين لا تعلّق القدر والقادر ، من حيث كان قادرا لا ينحصر ما يصحّ أن يتعلّق به .
ألا ترى أنّ أحدنا يقدر من الجنس الواحد والمحلّ الواحد على أفعال كثيرة لا تنحصر إلّا بانحصار قدره ؟ فالانحصار راجع إلى القدر دون تعلّق القادر ، وإذا كان تعالى قادرا لنفسه ، وجب أن يكون قادرا ممّا ذكرناه على ما لا يتناهى ، إذ لا مقتضى للحصر فيه .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ الممنوع يجب أن يكون متناهي المقدور ، فهو إنّه إنّما يمنع بأن يفعل أكثر ممّا في مقدوره ، وما وجد ما يزيد عليه لا بدّ أن يكون متناهيا .
وأمّا الذي يدلّ على أنّ من يتناهى « 1 » مقدوره لا يكون إلّا قادرا بقدرة ، فهو إنّ المقتضي لحصر المقدورات إنّما هو القدر ؛ لأنّ القدرة لو تعلّقت في الوقت الواحد والمحلّ الواحد من الجنس الواحد بما لا ينحصر ، لم يتعذّر علينا حمل الحبال العظيمة ، بأن نفعل في كلّ جزء منها بعدد أجزاء جميعها ، ولا تفاضل القادرون فيما يصحّ أن يحملوه ، ولا افتقر بعضهم في الاستقلال بما يحمله إلى معاونة غيره .
وأيضا : فإذا كنّا قد دللنا على أنّ القادر لنفسه لا يتناهى مقدوره ، فواجب فيمن تناهى مقدوره أن لا يكون قادرا إلّا بقدرة ؛ لأنّ كون القادر قادرا إلّا بقدرة لا يستحقّ من هذين الوجهين .
وأمّا الكلام في أنّ القادر بقدرة لا يجوز أن يكون إلّا جسما فقد تقدّم ، حيث دللنا على أنّها تجب أن تحلّ بعض القادر حتى يصحّ أن يفعل بها ، وأنّ الفعل لا يصحّ أن يقع بها ابتداء إلّا في محلّها .
والقول في حدوث الأجسام أيضا قد تقدّم ، فلم يبق من مقدّمات الدليل شيء يحتاج إلى الدلالة عليه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : يناهى .