فإن قيل : ما ذكرتموه من التمانع مبنيّ على اختلافهما في الدواعي ، وليس يصحّ ذلك ؛ لأنّ كلّ واحد منهما عالم بحسن ما يرومه الآخر ، فلا يجوز وهذه حالة أن يدعوه الدواعي إلى ضدّه .
قلنا : ألم تبن الدلائل إلّا على صحّة التمانع دون وقوعه ، ويكفي في ذلك صحّة اختلافهما في الدواعي ، وليس تضمّنه السؤال إنّما يمنع من ثبوت اختلاف دواعيهما ، ولا منع من صحّة ذلك وجوازه ، على أنّ العلم بحسن الفعل لا يقتضي أن يفعل ، بل يجوز مع العلم بحسنه ألّا يختاره ؛ لأنّ دواعي الحسن ليس بموجب ، وعلى هذا لا يمتنع أن يعلم كلّ واحد منهما حسن تحريك الجسم وتسكينه ، ويدعو أحدهما علمه بحسن تحريكه إلى ذلك ، ويدعو الآخر علمه بحسن تحريكه إلى تسكينه .
وبمثل هذا نجيب من اعترض بأنّ التمانع لا ينفع ، من حيث كان كلّ واحد منهما يعلم أنّ الذي يريد بالآخر حكمة وصواب فلا يريد خلافه ؛ لأنّا لم نبن الكلام على وقوع التمانع ، بل على صحّته ، وكيف يبني الدليل على وقع التمانع ؟ وهو لا يصحّ إلّا بعد إثبات الثاني الذي يقصد إلى نفيه ، وليس يجب إذا بنينا الكلام على الصحّة أن نتوقّف عن القضاء بأنّ الممنوع ضعيف من حيث لم يقع التمانع ؛ لأنّا إذا علمنا أنّهما لو تمانعا لوقع فعل أحدهما ، وجب أن نقضي بضعف من لم يقع مراده ، وأنّ الذي منعه أقدر منه ، وإن لم يكن هناك تمانع ؛ لأنّ التمانع يكشف على سبيل الدلالة عن قوّة القويّ وضعف الضعيف ، وليس بموجب لذلك . ألا ترى إنّا متى علمنا من حال زيد أنّه متى مانع الأسد ودافعه غلبه الأسد وقهره ، قضينا بضعف زيد عن الأسد وقوّة الأسد ، وإن لم يكن بينهما تمانع ؟ وكذلك متى علمنا من حال زيد أنّه لو رام الفعل لوقع منه ، نحكم بأنّه قادر عليه ، كما يجب ذلك لو وقع الفعل منه ، وإنّما نعلم بتقدير التمانع أنّ الأقدر بينهما « 1 » كذلك في كلّ حال من وجهين :
أحدهما : إنّه إنّما يكون أقدر ، لما هو عليه في ذاته باستمراره في الأحوال واجب .
والوجه الآخر : إنّه إذا كان لا حال يشاركهما ، إلّا وقدّرنا التمانع بينهما لمنع صاحبه ، فيجب أن يكون أقدر في جميع الأحوال .
هامش
( 1 ) . في الأصل : منهما .