أيضا أن يثبتوه نورا لقوله تعالى
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » ويدّعون أنّ ذلك من صفات ذاته كما قالوا في غيره .
فأمّا تأويل هذه الآيات المتشابهات ، فقد بيّنه علماء أهل التأويل ، وذكروا أنّ معنى قوله تعالى :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
أي نعمه مبسوطة ، ورزقه دار نازل ، كما تقول العرب :
« يد فلان مبسوطة » إذا أرادوا وصفه بالجوهر وكثرة العطاء ، ومثله قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 2 » ، وهذا القول ردّ على اليهود الذين ادّعوا إنّه قد أمسك عنهم رزقه وحبس ضرّه ، ولم يدّعوا أنّ له جارحة مقبوضة .
وقيل : إنّ الوجه في تثنية اليدين أنّه أراد نعمة الدنيا والدين أو النعمة الظاهرة والباطنة .
فأمّا قوله تعالى :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
« 3 » فمعناه لما خلقت أنا ، وأكّد بذكر اليد ، وهذا كقوله تعالى :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
« 4 » ، وقوله تعالى :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
« 5 » أي بملكه وقدرته ، كما قال تعالى :
مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
« 6 » ، وقولهم « فلان يطأ جاريته بملك اليمين » ، وإنّما يضيفون كلّ ذلك إلى اليمين تفخيما للأمر وتأكيدا للملك ؛ لأنّ اليمين أشرف من غيرها وأقوى حظّا ، ويقرب من ذلك في المعنى قوله تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
« 7 » لأنّ فائدته أنّه يصرفها ويدبّرها كيف شاء ، وقوله تعالى :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 8 » معناه أنّه أقوى منهم وأقهر .
وقوله تعالى :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
« 9 » أنّها تجري ونحن نعلمها ، كما تقول العرب : « هذا الشيء بعيني » أي لا يخفي عليّ .
وأمّا قوله تعالى :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
« 10 » فالمراد أنّه يبقى ربّك ، وقد يعبّر عن الذات بالوجه كقولهم : « فعلت هذا لوجهك » ، و « هذا وجه الصواب » .
وقوله تعالى :
فِي جَنْبِ اللَّهِ
« 11 » أي في طاعته ورضاه ، كما يقال « أحتمل كلّ شيء في جنب فلان » أي في محبّته .
وهذه جملة كافية وشرحها يطول .
هامش
( 1 ) . سورة النور : 35 .
( 2 ) . سورة الإسراء : 29 .
( 3 ) . سورة ص : 75 .
( 4 ) . سورة الحج : 10 .
( 5 ) . سورة الزمر : 67 .
( 6 ) . سورة النور : 33 .
( 7 ) . سورة الزمر : 67 .
( 8 ) . سورة الفتح : 10 .
( 9 ) . سورة القمر : 14 .
( 10 ) . سورة الرحمن : 27 .
( 11 ) . سورة الزمر : 56 .